ابن قيم الجوزية

9

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والسنة ، المقدمون لنصوصها على غيرها ، جهال لديهم منقوصون : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 13 ] . حرموا - واللّه - الوصول ، بعدولهم عن منهج الوحي ، وتضييعهم الأصول . وتمسكوا بأعجاز لا صدور لها ، فخانتهم أحرص ما كانوا عليها . وتقطعت بهم أسبابها أحوج ما كانوا إليها . حتى إذا بعثر ما في القبور ، وحصّل ما في الصدور ، وتميز لكل قوم حاصلهم الذي حصّلوه . وانكشفت لهم حقيقة ما اعتقدوه ، وقدموا على ما قدّموه : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] وسقط في أيديهم عند الحصاد لمّا عاينوا غلّة ما بذروه . فيا شدّة الحسرة عندما يعاين المبطل سعيه وكدّه هباء منثورا ؛ ويا عظم المصيبة عندما يتبين بوارق أمانيه خلّبا وآماله كاذبة غرورا . فما ظنّ من انطوت سريرته على البدعة والهوى ، والتعصب للآراء ، بربه يوم تبلى السرائر ؟ وما عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر ؟ أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أن ينجو من ربه بآراء الرجال ؟ أو يتخلص من بأس اللّه بكثرة البحوث والجدال ، وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال ؟ أو بالإشارات والشطحات ، وأنواع الخيال ؟ هيهات واللّه . لقد ظن أكذب الظن ، ومنّته نفسه أبين المحال . وإنما ضمنت النجاة لمن حكّم هدى اللّه على غيره ، وتزود التقوى وائتمّ بالدليل ، وسلك الصراط المستقيم ، واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها واللّه سميع عليم . وبعد ، فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، وهما الهدى ودين الحق ، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين ، كما قال تعالى : وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ العصر : 1 - 3 ] أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمّل قوته العلمية بالإيمان ، وقوته العملية بالعمل الصالح ، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه ، فالحق هو الإيمان والعمل ، ولا يتمّان إلا بالصبر عليهما ، والتواصي بهما - كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره - بل أنفاسه - فيما ينال به المطالب العالية ، ويخلص به من الخسران المبين . وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه ، وصرف العناية إليه ، والعكوف بالهمة عليه . فإنه الكفيل بمصالح العباد ، في المعاش والمعاد ، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد . فالحقيقة والطريقة ، والأذواق والمواجيد الصحيحة ، كلها لا تقتبس إلا من مشكاته ، ولا تستثمر إلا من شجراته . ونحن - بعون اللّه - ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن ، وعلى بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطالب ، وما تضمنته من الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال . وما تضمنته من منازل السائرين ، ومقامات العارفين ، والفرق بين وسائلها وغاياتها ، ومواهبها وكسبياتها ، وبيان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ، ولا يسدّ مسدّها . ولذلك لم ينزل اللّه في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها . واللّه المستعان ، وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم .