ابن قيم الجوزية
83
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بعد مكروها . بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها . إذ هي حق . ومتبع الحق لا خوف عليه ، ومن حق ذلك الخبر عليك : أن تؤدي ما أمرت به منه من غير شك ولا شكوى ، والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناول الأمر بامتثال صادر عن تصديق محقق ، لا يصحبه شك ، وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه ، ويهمل جانبه . وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام « البصيرة » لأنه على قدر المعرفة بالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله : تكون الغيرة عليه أن يضيع ، والغضب على من أضاعه . فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه . وذلك عين البصيرة . فكما أن الشك القادح في كمال الامتثال معم لعين البصيرة ، فكذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق اللّه - إذا ضيعت ، ومحارمه إذا انتهكت - معم لعين البصيرة . قال « الدرجة الثانية : أن تشهد في هداية الحق وإضلاله : إصابة العدل ، وفي تلوين أقسامه : رعاية البر ، وتعاين في جذبه : حبل الوصل » . يريد - رحمه اللّه - بشهود العدل في هدايته من هداه ، وفي إضلاله من أضلّه : أمرين . أحدهما : تفرده بالخلق . والهدى والضلال . والثاني : وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل ، لا بالاتفاق ، ولا بمحض المشيئة المجردة عن وضع الأشياء مواضعها ، وتنزيلها منازلها ، بل بحكمة اقتضت هدى من علم أنه يزكو على الهدى ، ويقبله ويشكره عليه ، ويثمر عنده . فاللّه أعلم حيث يجعل رسالاته ، أصلا وميراثا . قال تعالى : وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ( 53 ) [ الأنعام : 53 ] وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى ، ويشكرونه عليها ، ويحبونه ويحمدونه على أن جعلهم من أهله . فهو سبحانه ما عدل عن موجب العدل والإحسان في هداية من هدى وإضلال من أضل ، ولم يطرد عن بابه ، ولم يبعد عن جنابه ، من يليق به التقريب والهدى والإكرام ، بل طرد من لا يليق به إلا الطرد والإبعاد . وحكمته وحمده تأبى تقريبه وإكرامه ، وجعله من أهله وخاصته وأوليائه . ولا يبقى إلا أن يقال : فلم خلق من هو بهذه المثابة ؟ فهذا سؤال جاهل ظالم ضال ، مفرط في الجهل والظلم والضلال . لأن خلق الأضداد والمتقابلات هو من كمال الربوبية ، كالليل والنهار ، والحر والبرد ، واللذة والألم ، والخير والشر ، والنعيم والجحيم . قوله « وفي تلوين أقسامه رعاية البر » . يريد بتلوين الأقسام : اختلافها في الجنس والقدر والصفة ، من أقسام الأموال والقوى ، والعلوم والأعمال ، والصنائع وغيرها . قسمها على وجه البر والمصلحة ، فأعطى كلّا منهم ما يصلحه ، وما هو الأنفع له ، برّا وإحسانا . وقوله « وتعاين في جذبه حبل الوصال » . يريد تعاين في توفيقه لك للطاعة ، وجذبه إياك من نفسك : أنه يريد تقريبك منه . فاستعار للتوفيق الخاص الجذب ، وللتقريب الوصال . وأراد بالحبل السبب الموصل لك إليه . فأشار بهذا إلى أنك تستدل بتوفيقه لك ، وجذبك نفسك ، وجعلك متمسكا بحبله - الذي هو