ابن قيم الجوزية
76
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الآخرة . وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة . فتأمله « 1 » . فإن قيل : فقد يتحرك بما فيه منفعة دنيوية مباحة مستوية الطرفين . فيكون حكم حركته حكم ذلك الفعل . قيل : حركته بها عند الحاجة إليها راجحة ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحة لا تفيده . فتكون عليه لا له . فإن قيل : فإذا كان الفعل متساوي الطرفين ، كانت حركة اللسان التي هي الوسيلة إليه كذلك ، إذ الوسائل تابعة للمقصود في الحكم . قيل : لا يلزم ذلك . فقد يكون الشيء مباحا ، بل واجبا ، ووسيلته مكروهة - كالوفاء بالطاعة المنذورة - هو واجب ، مع أن وسيلته - وهو النذر - مكروه منهي عنه . وكذلك الحلف المكروه مرجوح ، مع وجوب الوفاء به أو الكفارة ، وكذلك سؤال الخلق عند الحاجة مكروه ، ويباح له الانتفاع بما أخرجته له المسألة . وهذا كثير جدا . فقد تكون الوسيلة متضمنة مفسدة تكره أو تحرم لأجلها ، وما جعلت وسيلة إليه ليس بحرام ولا مكروه . وأما العبوديات الخمس على الجوارح : فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضا . إذ الحواس خمسة . وعلى كل حاسة خمس عبوديات . فعلى السمع : وجوب الإنصات ، والاستماع لما أوجبه اللّه ورسوله عليه ، من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما ، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام ، واستماع الخطبة للجمعة ، في أصح قولي العلماء . ويحرم عليه استماع الكفر والبدع ، إلا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة : من ردّه ، أو الشهادة على قائله ، أو زيادة قوة الإيمان والسنة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك ، وكاستماع أسرار من يهرب عنك بسره ، ولا يحب أن يطلعك عليه ، ما لم يكن متضمنا لحق للّه يجب القيام به ، أو لأذى مسلم يتعين نصحه ، وتحذيره منه . وكذلك استماع أصوات النساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهن ، إذا لم تدع إليه حاجة : من شهادة ، أو معاملة ، أو استفتاء ، أو محاكمة ، أو مداواة ونحوها . وكذلك استماع المعازف ، وآلات الطرب واللهو ، كالعود والطنبور واليراع ونحوها . ولا يجب عليه سدّ أذنه إذا سمع الصوت ، وهو لا يريد استماعه ، إلا إذا خاف السكون إليه والإنصات . فحينئذ يجب لتجنب سماعها وجوب سد الذرائع . ونظير هذا المحرم : لا يجوز له تعمد شم الطيب . وإذا حملت الريح رائحته وألقتها في مشامّه لم يجب عليه سدّ أنفه . ونظير هذا : نظرة الفجاءة لا تحرم على الناظر ، وتحرم عليه النظرة الثانية إذا تعمدها .
--> ( 1 ) الواقع : أن اللسان والجوارح في الحركة - مضرة ، ومنفعة ، ومسؤولية - سواء ، وظهور ذلك من اللسان : إنما هو لكثرة استعمال الإنسان له . فهو متنبه له ، وغافل عن الجوارح الأخرى وخصوصا السمع والبصر .