ابن قيم الجوزية
74
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
صحيحة باعتبار أنّا لا نأمره بالإعادة « 1 » ولا ينبغي أن يعلق لفظ الصحة عليها . فيقال « صلاة صحيحة » مع أنه لا يثاب عليها فاعلها . والقصد : أن هذه الأعمال - واجبها ومستحبها - هي عبودية القلب . فمن عطلها فقد عطل عبودية الملك ، وإن قام بعبودية رعيته من الجوارح . والمقصود : أن يكون ملك الأعضاء - وهو القلب - قائما بعبوديته للّه سبحانه ، هو ورعيته . وأما المحرمات التي عليه : فالكبر ، والرياء ، والعجب ، والحسد ، والغفلة ، والنفاق . وهي نوعان : كفر ، ومعصية . فالكفر : كالشك ، والنفاق ، والشرك ، وتوابعها . والمعصية نوعان : كبائر ، وصغائر . فالكبائر : كالرياء ، والعجب ، والكبر ، والفخر ، والخيلاء والقنوط من رحمة اللّه ، واليأس من روح اللّه ، والأمن من مكر اللّه ، والفرح والسرور بأذى المسلمين ، والشماتة بمصيبتهم ، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم ، وحسدهم على ما آتاهم اللّه من فضله ، وتمني زوال ذلك عنهم ، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريما من الزنى ، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظاهرة . ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلا باجتنابها ، والتوبة منها . وإلا فهو قلب فاسد . وإذا فسد القلب فسد البدن . وهذه الآفات إنما تنشأ من الجهل بعبودية القلب ، وترك القيام بها . فوظيفة « إياك نعبد » على القلب قبل الجوارح . فإذا جهلها وترك القيام بها امتلأ بأضدادها ولا بد . وبحسب قيامه بها يتخلص من أضدادها . وهذه الأمور ونحوها قد تكون صغائر في حقه ، وقد تكون كبائر ، بحسب قوتها وغلظها ، وخفتها ودقتها . ومن الصغائر أيضا : شهوة المحرمات وتمنيها . وتفاوت درجات الشهوة في الكبر والصغر ، بحسب تفاوت درجات المشتهى . فشهوة الكفر والشرك : كفر . وشهوة البدعة : فسق . وشهوة الكبائر : معصية . فإن تركها للّه مع قدرته عليها أثيب . وإن تركها عجزا بعد بذله مقدوره في تحصيلها : استحق عقوبة الفاعل ، لتنزيله منزلته في أحكام الثواب والعقاب ، وإن لم ينزل منزلته في أحكام الشرع . ولهذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ، فالقاتل والمقتول في النار . قالوا : هذا القاتل يا رسول اللّه . فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتل صاحبه » فنزله منزلة القاتل ، لحرصه على قتل صاحبه ، في الإثم دون الحكم . وله نظائر كثيرة في الثواب والعقاب .
--> ( 1 ) القول بأن الصلاة التي لا خشوع فيها البتة ولا تدبر للقراءة والذكر تسمى صحيحة ، مبني على أن كلمة « الصحة » إنما تطلق على ما اجتمعت الشروط الاصطلاحية في أعمالها البدنية الظاهرة ، دون الأعمال الباطنة كالإخلاص ، كما تطلق في عرف الأطباء على سلامة الجسد . دون سلامة النفس من فساد العقائد والأخلاق . وصحة الصلاة بهذا المعنى لا تقتضي سقوط الفرض وعدم المؤاخذة في الآخرة . والمراد أنها صحيحة ظاهرا كتسمية المنافق مسلما في الظاهر . اه .