ابن قيم الجوزية
683
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
آراء في تحليل الشوق النزاع في هذه المسألة : أن الشوق يراد به : حركة القلب ، واهتياجه للقاء المحبوب ، فهذا يزول باللقاء . ولكن يعقبه شوق آخر أعظم منه ، تثيره حلاوة الوصل ومشاهدة جمال المحبوب . فهذا يزيد باللقاء والقرب ولا يزول . والعبارة عن هذا : وجوده . والإشارة إليه : حصوله . وبعضهم سمى النوع الأول : شوقا . والثاني : اشتياقا . قال القشيري : سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يفرق بين الشوق والاشتياق . ويقول : الشوق يسكن باللقاء . والاشتياق لا يزول باللقاء . قال : وفي معناه أنشدوا : ما يرجع الطرف عنه عند رؤيته * حتى يعود إليه الطرف مشتاقا وقال النصر اباذي : للخلق كلهم مقام الشوق . وليس لهم مقام الاشتياق . ومن دخل في حال الاشتياق : هام فيه حتى لا يرى له فيه أثر ولا قرار . قال الدقاق - في قول موسى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى [ طه : 84 ] قال : معناه شوقا إليك . فستره بلفظ الرضى . وقيل : إن أهل الشوق إلى لقاء اللّه يتحسّون حلاوة القرب عند وروده - لما قد كشف لهم من روح الوصول - أحلى من الشّهد . فهم في سكراته في أعظم لذة وحلاوة . وقيل : من اشتاق إلى اللّه اشتاق إليه كل شيء . كما قال بعضهم : أنا أدخل في الشوق والأشياء تشتاق إليّ . وأتأخر عن جميعها . وفي مثل هذا قيل : إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت * عن الماء فاشتاقت إليها المناهل وكانت عجوز مغيبة فقدم غائبها من السفر ففرح به أهله وأقاربه وقعدت هي تبكي ، فقيل لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ذكّرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على اللّه عز وجل : يا من شكا شوقه من طول فرقته * اصبر . لعلك تلقى من تحبّ غدا وقيل : خرج داود عليه السلام يوما إلى الصحراء منفردا . فأوحى اللّه تعالى إليه : ما لي أراك منفردا ؟ فقال : إلهي استأثر شوقي إلى لقائك على قلبي . فحال بيني وبين صحبة الخلق . فقال : ارجع إليهم . فإنك إن أتيتني بعبد آبق أثبتك في اللوح المحفوظ جهبذا . تعريف آخر للشوق قال صاحب المنازل رحمه اللّه : « الشوق : هبوب القلب إلى غائب . وفي مذهب هذه الطائفة : علة الشوق عظيمة . فإن الشوق إنما يكون إلى الغائب . ومذهب هذه الطائفة : إنما قام على المشاهدة . ولهذه العلة لم ينطق القرآن باسمه » . قلت : هو صدر الباب . بقوله تعالى : مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [ العنكبوت : 5 ] فكأنه جعل « الرجاء » شوقا بلسان الاعتبار . لا بلسان التفسير . أو أن دلالة « الرجاء » على الشوق باللزوم ، لا بالتضمن ولا بالمطابقة . قوله « هبوب القلب إلى غائب » يعني : سفره إليه ، وهويّه إليه .