ابن قيم الجوزية

679

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

باب الغيرة قال صاحب المنازل : ( باب الغيرة ) قال اللّه تعالى - حاكيا عن نبيه سليمان عليه السلام - رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ( 33 ) [ ص : 33 ] . ووجه استشهاده بالآية : أن سليمان عليه السلام كان يحب الخيل . فشغله استحسانها ، والنظر إليها - لما عرضت عليه - عن صلاة النهار ، حتى توارت الشمس بالحجاب . فلحقته الغيرة للّه من الخيل ، إذ استغرقه استحسانها ، والنظر إليها عن خدمة مولاه وحقه . فقال « ردوها عليّ » فطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف غيرة للّه . قال : « الغيرة » سقوط الاحتمال ضنا ، والضيق عن الصبر نفاسة » . أي عجز الغيور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه ، ويحجبه عنه ضنا به - أي بخلا به - أن يعتاض عنه بغيره . وهذا البخل : هو محض الكرم عند المحبين الصادقين . وأما « الضيق عن الصبر نفاسة » فهو أن يضيق ذرعه بالصبر عن محبوبه . وهذا هو الصبر الذي لا يذم من أنواع الصبر سواه ، أو ما كان من وسيلته . والحامل له على هذا الضيق : مغالاته بمحبوبه . وهي النفاسة . فإنه - لمنافسته ورغبته - لا يسامح نفسه بالصبر عنه . و « المنافسة » هي كمال الرغبة في الشيء ، ومنع الغير منه إن لم يمدح فيه المشاركة . والمسابقة إليه إن مدحت فيه المشاركة . قال تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطفّفين : 26 ] وبين « المنافسة » و « الغبطة » جمع وفرق ، وبينهما وبين « الحسد » أيضا جمع وفرق . فالمنافسة : تتضمن : مسابقة واجتهادا وحرصا . والحسد : يدل على مهانة الحاسد وعجزه ، وإلا فنافس من حسدته . فذلك أنفع لك من حسده ، كما قيل : إذا أعجبتك خلال امرئ * فكنه . يكن منك ما يعجبك فليس على الجود والمكرما * ت إذا جئتها حاجب يحجبك و « الغبطة » تتضمن نوع تعجب وفرح للمغبوط ، واستحسان لحاله . درجات الغيرة قال « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : غيرة العابد على ضائع يستردّ ضياعه . ويستدرك فواته ، ويتدارك قواه » . « العابد » هو العامل - بمقتضى العلم النافع - للعمل الصالح . فغيرته على ما ضاع عليه من عمل صالح . فهو يسترد ضياعه بأمثاله . ويجبر ما فاته من الأوراد والنوافل وأنواع القرب بفعل أمثالها ، من جنسها وغير جنسها . فيقضي ما ينفع فيه القضاء . ويعوض ما يقبل العوض . ويجبر ما يمكن جبره . وقوله « ويستدرك فواته » الفرق بين استرداد ضائعه ، واستدراك فائته ، أن الأول : يمكن أن يستردّ بعينه ، كما إذا فاته الحج في عام تمكّن منه . فأضاعه في ذلك العام : استدركه في العام المقبل . وكذلك إذا أخر الزكاة عن وقت وجوبها استدركها بعد تأخيرها ، ونحو ذلك . وأما الفائت : فإنما يستدرك بنظيره . كقضاء الواجب المؤقت إذا فات وقته .