ابن قيم الجوزية
674
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
المسموعة . وكل منهما داع قوي إلى محبته سبحانه . لأنها أدلة على صفات كماله ، ونعوت جلاله ، وتوحيد ربوبيته وإلهيته ، وعلى حكمته وبره ، وإحسانه ولطفه ، وجوده وكرمه ، وسعة رحمته ، وسبوغ نعمته ، فإدامة النظر فيها داع - لا محالة - إلى محبته . وكذلك الارتياض بالمقامات . فإن من كانت له رياضة وملكة في مقامات الإسلام والإيمان والإحسان : كانت محبته أقوى . لأن محبة اللّه له أتم . وإذا أحب اللّه عبدا أنشأ في قلبه محبته . قال : « الدرجة الثالثة : محبة خاطفة . تقطع العبارة . وتدفع الإشارة . ولا تنتهي بالنعوت » . يعني : أنها تخطف قلوب المحبين . لما يبدو لهم من جمال محبوبهم . ويشير الشيخ بذلك إلى الفناء في المحبة والشهود . وإن العبارة تنقطع دون حقيقة تلك المحبة . ولا تبلغها . ولا تصل إليها الإشارة . فإنها فوق العبارة والإشارة . وحقيقتها عندهم : فناء الحدوث في القدم ، واضمحلال الرسوم في نور الحقيقة التي تظهر لقلوب المحبين . فتملك عليها العبارة والإشارة والصفة . فلا يقدر المحب أن يعبر عما يجده لأن واردها قد خطف فهمه . والعبارة تابعة للفهم . فلا يقدر المحب أن يشير إليه إشارة تامة . و « العبارة » عندهم : تحت « الإشارة » وأبعد منها . ولذلك جعل حظها القطع . وحظ الإشارة الدفع . فإن مقام المحبة يقبل العبارة . وهذه الدرجة الثالثة لا تقبل إشارة ما . ولا تقبل عبارة . وعندهم : إنما تمتنع العبارة والإشارة في مقام التوحيد ، حيث لا يبقى للمحبة رسم ، ولا اسم ، ولا إشارة ، وهو الغاية عندهم كما سيأتي « 1 » . والصواب : أن توحيد المحبة أكمل من هذا التوحيد الذي يشيرون إليه ، وأعلى مقاما ، وأجل مشهدا . وهو مقام الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وخواص المقربين . وأما توحيد الفناء : فدونه بكثير . وليس ذلك من مقامات الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فإن توحيدهم توحيد بقاء ومحبة . لا توحيد فناء وغيبة ، وسكر واصطلام . ولما كان المحب عند أرباب الفناء . لم يخلص إلى مقام توحيد الفناء بالكلية . بل رسوم المحبة معه بعد ، جعلوا « المحبة » هي العقبة التي ينحدر منها إلى أودية الفناء . كما تقدم . والصواب الذي لا ريب فيه ، عند أرباب التحقيق والبصائر : أن لسان « المحبة » أتم ، ومقامها أكمل ، وحالها أشرف ، وصاحبها من أهل الصحو بعد السكر ، والتمكين بعد التلوين ، والبقاء بعد الفناء . ولسانه نائب عن كل لسان . وبيانه واف بكل ذوق . ومقامه أعلى من كل مقام . فهو أمين على كل من دونه من أرباب المقامات . لأن مقامه أمير على المقامات كلها : أمين أمين عليه الندى * جواد بخيل بأن لا يجودا وأما كون نعوت المحبة لا تتناهى : فلأن لها في كل مقام نسبة وتعلقا به . وهي روح كل مقام ، والحاملة له . وأقدام السالكين إنما تتحرك بها . فلها تعلق بكل قدم ، وحال ومقام . فلا تتناهى نعوتها البتة . واللّه أعلم .
--> ( 1 ) لأنه ليس ثم محب ومحبوب ، ولا اثنين . إنما الحبيب هو المحبوب . والرب هو العبد ، كما نطق أبو يزيد وغيره من شيوخهم .