ابن قيم الجوزية
672
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
« ومعقد النسبة » أي النسبة التي بين الرب وبين العبد . فإنه لا نسبة بين اللّه وبين العبد إلا محض العبودية من العبد والربوبية من الرب . وليس في العبد شيء من الربوبية ، ولا في الرب شيء من العبودية . فالعبد عبد من كل وجه . والرب تعالى هو الإله الحق من كل وجه ومعقد نسبة العبودية هو المحبة . فالعبودية معقودة بها ، بحيث متى انحلت المحبة انحلت العبودية . واللّه أعلم . درجات المحبة قال : « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : محبة تقطع الوساوس ، وتلذّ الخدمة . وتسلّي عن المصائب » . قوله « تقطع الوساوس » فإن الوساوس والمحبة متناقضان . فإن المحبة توجب استيلاء ذكر المحبوب على القلب . والوساوس تقتضي غيبته عنه ، حتى توسوس له نفسه بغيره . فبين المحبة والوساوس تناقض شديد ، كما بين الذكر والغفلة . فعزيمة المحبة : تنفي تردد القلب بين المحبوب وغيره . وذلك سبب الوساوس ، وهيهات أن يجد المحب الصادق فراغا لوسواس الغير ، لاستغراق قلبه في حضوره بين يدي محبوبه . وهل الوسواس إلا لأهل الغفلة والإعراض عن اللّه تعالى ؟ ومن أين يجتمع الحب والوسواس ؟ . لا كان من لسواك فيه بقية * فيها يقسّم فكره ويوسوس قوله « وتلذ الخدمة » أي المحب يلتذ بخدمة محبوبه . فيرتفع عن رؤية التعب الذي يراه الخليّ في أثناء الخدمة . وهذا معلوم بالمشاهدة . قوله « وتسلي عن المصائب » فإن المحب يجد في لذة المحبة ما ينسيه المصائب ولا يجد من مسها ما يجد غيره ، حتى كأنه قد اكتسى طبيعة ثانية ليست طبيعة الخلق . بل يقوى سلطان المحبة ، حتى يلتذ المحب بكثير من المصائب التي يصيبه بها حبيبه أعظم من التذاذ الخلي بحظوظه وشهواته . والذوق والوجود شاهد بذلك واللّه أعلم . قال : « وهي محبة تنبت من مطالعة المنة . وتثبت باتباع السنة . وتنمو على الإجابة بالفاقة » . قوله « تنبت من مطالعة المنة » أي تنشأ من مطالعة العبد منّة اللّه عليه ، ونعمه الباطنة والظاهرة ، فبقدر مطالعته ذلك تكون قوة المحبة . فإن القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها . وليس للعبد قط إحسان إلا من اللّه . ولا إساءة إلا من الشيطان . ومن أعظم مطالعة منة اللّه على عبده : تأهيله لمحبته ومعرفته ، وإرادة وجهه ، ومتابعة حبيبه . وأصل هذا : نور يقذفه اللّه في قلب العبد . فإذا دار ذلك النور في قلب العبد وذاته : أشرقت ذاته . فرأى فيه نفسه ، وما أهّلت له من الكمالات والمحاسن . فعلت به همته . وقويت عزيمته . وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه . لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرد أحدهما صاحبه . فرقيت الروح حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول : نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل