ابن قيم الجوزية

67

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النّحل : 36 ] وقال : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) [ المؤمنون : 51 ، 52 ] . مقام العبودية واللّه تعالى جعل العبودية وصف أكمل خلقه ، وأقربهم إليه . فقال : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) [ النّساء : 172 ] وقال : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [ الأعراف : 206 ] وهذا يبين أن الوقف التام في قوله في سورة الأنبياء وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنبياء : 19 ] ههنا . ثم يبتدئ وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) [ الأنبياء : 19 ، 20 ] فهما جملتان تامتان مستقلتان ، أي إن له من في السماوات ومن في الأرض عبيدا وملكا . ثم استأنف جملة أخرى فقال : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ [ الأنبياء : 19 ] يعني أن الملائكة الذين عنده لا يستكبرون عن عبادته يعني لا يأنفون عنها ، ولا يتعاظمون ولا يستحسرون ، فيعيون وينقطعون - يقال : حسر واستحسر ، إذا تعب وأعيا - بل عبادتهم وتسبيحهم كالنّفس لبني آدم . فالأول : وصف لعبيد ربوبيته . والثاني : وصف لعبيد إلهيته . قال تعالى : وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً [ الفرقان : 63 ] إلى آخر السورة . وقال : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً ( 6 ) [ الإنسان : 6 ] وقال : وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ [ ص : 17 ] وقال : وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ [ ص : 41 ] وقال : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ [ ص : 45 ] وقال عن سليمان : نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص : 30 ] وقال عن المسيح : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ [ الزّخرف : 59 ] فجعل غايته العبودية لا الإلهية ، كما يقول أعداؤه النصارى . ووصف أكرم خلقه عليه ، وأعلاهم عنده منزلة بالعبودية في أشرف مقاماته . فقال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا [ البقرة : 23 ] وقال تبارك وتعالى : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] وقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ [ الكهف : 1 ] فذكره بالعبودية في مقام إنزال الكتاب عليه ، وفي مقام التحدي بأن يأتوا بمثله ، وقال : وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ( 19 ) [ الجنّ : 19 ] فذكره بالعبودية في مقام الدعوة إليه . وقال : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] فذكره بالعبودية في مقام الإسراء . وفي الصحيح عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم فإنما أنا عبد . فقولوا عبد اللّه ورسوله » وفي الحديث « أنا عبد . آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد » وفي « صحيح البخاري » عن عبد اللّه بن عمرو قال : « قرأت في التوراة صفة محمد صلى اللّه عليه وسلم : محمد رسول اللّه ، عبدي ورسولي ، سميته المتوكل ، ليس بفظّ ولا غليظ ، ولا صخّاب بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر » . وجعل اللّه سبحانه البشارة المطلقة لعباده . فقال تعالى : فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزّمر : 17 ، 18 ] وجعل الأمن المطلق لهم . فقال تعالى : يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ