ابن قيم الجوزية
659
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وينبغي صون المحبة والحبيب عن هذه الألفاظ ، التي غاية صاحبها : أن يعذر بصدقه وغلبة الوارد عليه ، وقهره له . فمحبة اللّه أعلى وأجل من أن تضرب لها هذه الأمثال ، وتجعل عرضة للأفواه المتلوثة ، والألفاظ المبتدعة ، ولكن الصادق في خفارة صدقه « 1 » . الخامس والعشرون : أن لا يؤثر على المحبوب غيره ، وأن لا يتولى أمورك غيره . السادس والعشرون : الدخول تحت رق المحبوب وعبوديته ، والحرية من استرقاق ما سواه . السابع والعشرون : المحبة سفر القلب في طلب المحبوب ، ولهج اللسان بذكره على الدوام . قلت : أما سفر القلب في طلب المحبوب : فهو الشوق إلى لقائه ، وأما لهج اللسان بذكره : فلا ريب أن من أحب شيئا أكثر من ذكره . الثامن والعشرون : أن المحبة هي ما لا ينقص بالجفاء . ولا تزيد بالبر . وهو ليحيى بن معاذ ، بل الإرادة والطلب والشوق إلى المحبوب لذاته ، فلا ينقص ذلك جفاؤه . ولا يزيده برّه . وفي ذلك ما فيه . فإن المحبة الذاتية تزيد بالبر . ولا تنقصها زيادتها بالبر . وليس ذلك بعلة ، ولكن مراد يحيى : أن القلب قد امتلأ بالمحبة الذاتية . فإذا جاء البر من محبوبه . لم يجد في القلب مكانا خاليا من حبه يشغله محبة البر . بل تلك المحبة قد استحقت عليه بالذات بلا سبب . ومع هذا فلا يزيل الوهم . فإن المحبة لا نهاية لها . وكلما قويت المعرفة والبر قويت المحبة . ولا نهاية لجمال المحبوب ولا برّه . فلا نهاية لمحبته ، بل لو اجتمعت محبة الخلق كلهم وكانت على قلب رجل واحد منهم : كان ذلك دون ما يستحقه الرب جل جلاله . ولهذا لا تسمى محبة العبد لربه عشقا - كما سيأتي - لأنه إفراط المحبة ، والعبد لا يصل في محبة اللّه إلى حد الإفراط ، البتة . واللّه أعلم . التاسع والعشرون : المحبة أن يكون كلك بالمحبوب مشغولا ، وذلّك له مبذولا . الثلاثون : وهو من أجمع ما قيل فيها - قال أبو بكر الكتاني : جرت مسألة في المحبة بمكة أعزها اللّه تعالى - أيام الموسم - فتكلم الشيوخ فيها . وكان الجنيد أصغرهم سنا . فقالوا : هات ما عندك يا عراقي . فأطرق رأسه ، ودمعت عيناه . ثم قال : عبد ذاهب عن نفسه ، متصل بذكر ربه ، قائم بأداء حقوقه ، ناظر إليه بقلبه ، أحرقت قلبه أنوار هيبته . وصفا شربه من كأس ودّه . وانكشف له الجبار من أستار غيبه « 2 » . فإن تكلم فباللّه . وإن نطق فعن اللّه . وإن تحرك فبأمر اللّه . وإن سكن فمع اللّه . فهو باللّه وللّه ومع اللّه . فبكى الشيوخ وقالوا : ما على هذا مزيد . جزاك اللّه يا تاج العارفين .
--> ( 1 ) وهل الصدق في حب اللّه يكون إلا عن علم صحيح من كتاب اللّه وهدي رسوله ، ومعرفة بأسماء اللّه وصفاته وكتبه ورسله وشرائعه ؟ وإنهم واللّه لأبعد الناس عن كل هذا . وما أصدق ما قال الشيخ رحمه اللّه عن أفواههم المتلوثة بأقذار البدعة . فما أبعد الصدق عن قلوب أصحاب هذه الأفواه القذرة ، والقلوب النجسة . ( 2 ) ما معنى هذا ؟ إنها نغمة معهودة عندهم تفوح منها روائح الوحدة صارخة .