ابن قيم الجوزية
657
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
السابع : استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار القليل من حبيبك . وهذا قول أبي يزيد ، وهو أيضا من أحكامها وموجباتها وشواهدها . والمحب الصادق لو بذل لمحبوبه جميع ما يقدر عليه لاستقله واستحيى منه ، ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه . الثامن : استكثار القليل من جنايتك ، واستقلال الكثير من طاعتك . وهو قريب من الذي قبله ، لكنه مخصوص بما من المحب . التاسع : معانقة الطاعة ، ومباينة المخالفة . وهو لسهل بن عبد اللّه . وهو أيضا حكم المحبة وموجبها . العاشر : دخول صفات المحبوب على البدل من صفات المحب . وهو للجنيد رحمه اللّه . وفيه غموض . ومراده : أن استيلاء ذكر المحبوب وصفاته وأسمائه على قلب المحب ، حتى لا يكون الغالب عليه إلا ذلك . ولا يكون شعوره وإحساسه في الغالب إلا بها . فيصير شعوره وإحساسه بدلا من شعوره وإحساسه بصفات نفسه وقد يحتمل معنى أشرف من هذا . وهو : تبدل صفات المحب الذميمة - التي لا توافق صفات المحبوب - بالصفات الجميلة المحبوبة التي توافق صفاته . واللّه أعلم . الحادي عشر : أن تهب كلّك لمن أحببت . فلا يبقى لك منك شيء . وهو لأبي عبد اللّه القرشي . وهو أيضا من موجبات المحبة وأحكامها . والمراد : أن تهب إرادتك وعزمك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه وتجعلها حبسا في مرضاته ومحابه . فلا تأخذ لنفسك منها إلا ما أعطاك . فتأخذه منه له . الثاني عشر : أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب . وهو للشبلي ، وكمال المحبة يقتضي ذلك . فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة . الثالث عشر : إقامة العتاب على الدوام . وهو لابن عطاء . وفيه غموض . ومراده : أن لا تزال عاتبا على نفسك في مرضاة المحبوب . وأن لا ترضى له فيها عملا ولا حالا . الرابع عشر : أن تغار على المحبوب : أن يحبه مثلك . وهو للشبلي أيضا . وفيه كلام سنذكره إن شاء اللّه في منزلة « الغيرة » ومراده : احتقارك لنفسك واستصغارها : أن يكون مثلك من محبيه . الخامس عشر : إرادة غرست أغصانها في القلب . فأثمرت الموافقة والطاعة . السادس عشر : أن ينسى المحب حظه في محبوبه ، وينسى حوائجه إليه . وهو لأبي يعقوب السوسي . ومراده : أن استيلاء سلطانها على قلبه غيّبه عن حظوظه وعن حوائجه . واندرجت كلها في حكم المحبة . السابع عشر : مجانبة السلو على كل حال . وهو للنصر آباذي . وهو أيضا من لوازمها وثمراتها ، كما قيل : مرت بأرجاء الخيال طيوفه * فبكت على رسم السلوّ الدارس الثامن عشر : توحيد المحبوب بخالص الإرادة وصدق الطلب .