ابن قيم الجوزية

650

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

واللّه سبحانه قد فاوت بين قوى القلوب أشد من تفاوت قوى الأبدان ، وفي كل شيء له آية . وصاحب هذا المقام آية من آيات اللّه لأولي الألباب والبصائر . والمقصود : أنه لولا طمأنينته إلى لطف اللّه لمحقه شهود الحضرة وأفناه جملة ، فقد خرّ موسى صعقا لما تجلّى ربه للجبل . وتدكدك الجبل وساخ في الأرض من تجليه سبحانه . هذا ولا يتوهم متوهم أن الحاصل في الدنيا للبشر كذلك ، ولا قريب منه أبدا ، وإنما هي المعارف ، واستيلاء مقام الإحسان على القلب فقط . وإياك وترّهات القوم ، وخيالاتهم ورعوناتهم ، وإن سموك محجوبا ، فقل : اللهم زدني من هذا الحجاب الذي ما وراءه إلا الخيالات والترهات والشطحات . فكليم الرحمن وحده مع هذا لم تتجل الذات له ، وأراه ربه تعالى أنه لا يثبت لتجلي ذاته ، لما أشهده من حال الجبل ، وخرّ الكليم صعقا مغشيا عليه . لما رأى ما رأى من حال الجبل عند تجلي ربه له . ولم يكن تجليا مطلقا . قال الضحاك : أظهر اللّه من نور الحجب مثل منخر ثور . وقال عبد اللّه بن سلام ، رضي اللّه عنه وكعب الأحبار : ما تجلى من عظمة اللّه للجبل إلا مثل سمّ الخياط حتى صار دكّا . وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر . وفي « مستدرك الحاكم » - من حديث ثابت البناني - عن أنس رضي اللّه عنه : « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية ، وقال : هكذا - ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر - فساخ الجبل » وإسناده على شرط مسلم . ولما حدث به حميد عن ثابت استعظمه بعض أصحابه وقال : تحدث بهذا ؟ فضرب بيده في صدره . وقال : يحدث به ثابت عن أنس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وتنكره أنت ، ولا أحدث به ؟ فإذا شهد لك المخدوعون بأنك محجوب عن ترهاتهم وخيالاتهم ، فتلك الشهادة لك بالاستقامة . فلا تستوحش منها . وباللّه التوفيق . وهو المستعان . وأما « طمأنينة الجمع إلى البقاء » . فمشهد شريف فاضل ، وهو مشهد الكمّل ، فإن حضرة الجمع تعفي الآثار ، وتمحو الأغيار ، وتحول بين الشاهد وبين رؤية القلب للخلق ، فيرى الحق سبحانه وحده قائما بذاته . ويرى كل شيء قائم به ، متوحدا في كثرة أسمائه وأفعاله وصفاته . ولا يرى معه غيره ولا يشهده ، عكس حال من يشهد غيره ، وليس الشأن في هذا الشهود ، فإن صاحبه في مقام الفناء ، فإن لم ينتقل منه إلى مقام البقاء وإلا انقطع انقطاعا كليا ، ففي هذا المقام : إن لم يطمئن إلى حصول البقاء وإلا عطل الأمر ، وخلع ربقة العبودية من عنقه ، فإذا اطمأن إلى البقاء طمأنينة من يعلم أنه لا بد له منه ، وإن لم يصحبه وإلا فسد وهلك - كان هذا من طمأنينة الجمع إلى البقاء . واللّه أعلم . وأما « طمأنينة المقام إلى نور الأزل » . فيريد به : طمأنينة مقامه إلى السابقة التي سبق بها الأزل . فلا تتغير ولا تتبدل ولهذا قال « طمأنينة المقام » ولم يقل : طمأنينة الحال . فإن الحال يزول ويحول ، ولو لم يحل لما سمي حالا ، بخلاف المقام .