ابن قيم الجوزية

648

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والمذاهب ، واكتفت به منها ، وحكّمته عليها وعزلتها ، وجعلت له الولاية بأسرها كما جعلها اللّه ، فبه خاصمت ، وإليه حاكمت ، وبه صالت ، وبه دفعت الشّبه . وأما « السكينة » : فإنها ثبات القلب عند هجوم المخاوف عليه ، وسكونه وزوال قلقه واضطرابه ، كما يحصل لحزب اللّه عند مقابلة العدو وصولته . واللّه سبحانه أعلم . درجات الطمأنينة قال : « وهي على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : طمأنينة القلب بذكر اللّه ، وهي طمأنينة الخائف إلى الرجاء ، والضّجر إلى الحكم ، والمبتلى إلى المثوبة » . قد تقدم أن الطمأنينة بذكر اللّه بكلامه وكتابه ، ولا ريب أن الذي ذكره في هذه الدرجة : هو من جملة الطمأنينة بذكره ، وهي أهم من ذلك . فذكر طمأنينة الخائف إلى الرجاء ، فإن الخائف إذا طال عليه الخوف واشتد به ، وأراد اللّه عزّ وجلّ أن يريحه ، ويحمل عنه : أنزل عليه السكينة . فاستراح قلبه إلى الرجاء واطمأن به . وسكن لهيب خوفه . وأما « طمأنينة الضجر إلى الحكم » . فالمراد بها : أن من أدركه الضجر من قوة التكاليف ، وأعباء الأمر وأثقاله - ولا سيما من أقيم مقام التبليغ عن اللّه ، ومجاهدة أعداء اللّه ، وقطاع الطريق إليه - فإن ما يحمله ويتحمله فوق ما يحمله الناس ويتحملونه . فلا بد أن يدركه الضجر ، ويضعف صبره ، فإذا أراد اللّه أن يريحه ويحمل عنه : أنزل عليه سكينته ، فاطمأن إلى حكمه الديني ، وحكمه القدري ، ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين ، وبحسب مشاهدته لهما تكون طمأنينته ، فإنه إذا اطمأن إلى حكمه الديني علم أنه دينه الحق ، وهو صراطه المستقيم . وهو ناصره وناصر أهله وكافيهم ووليهم . وإذا اطمأن إلى حكمه الكوني ، علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب اللّه له ، وأنه ما يشاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فلا وجه للجزع والقلق إلا ضعف اليقين والإيمان ، فإن المحذور والمخوف : إن لم يقدّر فلا سبيل إلى وقوعه ، وإن قدّر فلا سبيل إلى صرفه بعد أن أبرم تقديره . فلا جزع حينئذ - لا مما قدر ولا مما لم يقدر . نعم إن كان له في هذه النازلة حيلة . فلا ينبغي أن يضجر عنها ، وإن لم يكن فيها حيلة ، فلا ينبغي أن يضجر منها ، فهذه طمأنينة الضجر إلى الحكم . وفي مثل هذا قال القائل : ما قد قضى يا نفس فاصطبري له * ولك الأمان من الذي لم يقدر وتحققي أن المقدر كائن * يجري عليك حذرت أم لم تحذري وأما « طمأنينة المبتلى إلى المثوبة » . فلا ريب أن المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه واطمأن بمشاهدة العوض ، وإنما يشتد به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثواب ، وقد تقوى ملاحظة العوض حتى يستلذ بالبلاء ويراه نعمة ، ولا تستبعد هذا . فكثير من العقلاء إذا تحقق نفع الدواء الكريه فإنه يكاد يلتذ به ، وملاحظته لنفعه تغيبه عن تألمه بمذاقه أو تخففه عنه ، والعمل المعول عليه : إنما هو على البصائر . واللّه أعلم .