ابن قيم الجوزية
645
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ووقته ، فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف ، فإن معاملة الناس بذلك إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته ، وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته ، وإما عدو ومبغض فتطفىء بلطفك جمرته وتستكفي شره ، ويكون احتمالك لمضض لطفك به ، دون احتمالك لضرر ما ينالك من الغلظة عليه والعنف به . الثالث : مراقبة الحق سبحانه ، وهي الموجبة لكل صلاح وخير عاجل وآجل ، ولا تصح الدرجتان الأولتان إلا بهذه ، وهي المقصود لذاته ، وما قبله وسيلة إليه ، وعون عليه . فمراقبة الحق سبحانه وتعالى توجب إصلاح النفس ، واللطف بالخلق . قال : « الدرجة الثالثة السكينة التي تثبت الرضى بالقسم ، وتمنع من الشطح الفاحش . وتقف صاحبها على حد الرتبة ، والسكينة لا تنزل إلا في قلب نبي ، أو ولي » . هذه الدرجة الثالثة : كأنها عند الشيخ لأهل الصحو بعد السكر . ولمن شام بوارق الحقيقة . فقوله « تثبت الرضى بالقسم » . أي توجب لصاحبها أن يرضى بالمقسوم . ولا تتطلع نفسه إلى غيره . « وتمنع من الشطح الفاحش » . يعني مثل ما نقل عن أبي يزيد ونحوه ، بخلاف الجنيد وسهل وأمثالهما . فإنهم لما كانت لهم هذه السكينة لم تصدر منهم الشطحات ، ولا ريب أن الشطح سببه عدم السكينة . فإنها إذا استقرت في القلب منعته من الشطح وأسبابه . قوله « وتوقف صاحبها على حد الرتبة » . أي توجب لصاحبها الوقوف عند حده من رتبة العبودية . فلا يتعدى مرتبة العبودية وحدّها . قوله « والسكينة لا تنزل إلا على قلب نبي أو ولي » . وذلك لأنها من أعظم مواهب الحق سبحانه ومنحه ، ومن أجلّ عطاياه . ولهذا لم يجعلها في القرآن إلا لرسوله صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ، كما تقدم ، فمن أعطيها فقد خلعت عليه خلع الولاية ، وأعطي منشورها . واللّه المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه . منزلة الطمأنينة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الطمأنينة » . قال اللّه تعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [ الرعد : 28 ] وقال تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي ( 29 ) وَادْخُلِي جَنَّتِي ( 30 ) [ الفجر : الآيات 27 - 30 ] . « الطمأنينة » سكون القلب إلى الشيء ، وعدم اضطرابه وقلقه ، ومنه الأثر المعروف « الصدق طمأنينة ، والكذب ريبة » أي الصدق يطمئن إليه قلب السامع . ويجد عنده سكونا إليه ، والكذب يوجب له اضطرابا وارتيابا . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « البر ما اطمأن إليه القلب » أي سكن إليه وزال عنه اضطرابه وقلقه .