ابن قيم الجوزية
643
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والإيمان : يثمر له النور ، والحياة والقوة . وهذه الثلاثة تثمره أيضا . وتوجب زيادته . فهو محفوف بها قبلها وبعدها . فبالنور : يكشف دلائل الإيمان . وبالحياة ، ينتبه من سنة الغفلة ، ويصير يقظانا ، وبالقوة يقهر الهوى والنفس ، والشيطان . كما قيل : وتلك مواهب الرحمن ليست * تحصّل باجتهاد ، أو بكسب ولكن لا غنى عن بذل جهد * بإخلاص وجدّ ، لا بلعب وفضل اللّه مبذول . ولكن * بحكمته ، وعن ذا النصّ ينبي فما من حكمة الرحمن وضع ال * كواكب بين أحجار وترب فشكرا للذي أعطاك منه * فلو قبل المحلّ لزاد ربي فإذا حصلت هذه الثلاثة بالسكينة - وهي النور ، والحياة ، والروح - سكن إليها العصي . وهو الذي سكونه إلى المعصية والمخالفة . لعدم سكينة الإيمان في قلبه صار سكونه إليها عوض سكونه إلى الشهوات ، والمخالفات . فإنه قد وجد فيها مطلوبه ، وهو اللذة التي كان يطلبها من المعصية ، ولم يكن له ما يعيضه عنها . فإذا نزلت عليه السكينة اعتاض بلذتها وروحها ، ونعيمها عن لذة المعصية فاستراحت بها نفسه ، وهاج إليها قلبه ، ووجد فيها من الروح والراحة واللذة ما لا نسبة بينه وبين اللذة الجسمانية النفسانية ، فصارت لذته روحانية قلبية ، بعد أن كانت جسمانية فانسلب منها ، وحبس عنها وخلصته . فإذا تألقت بروقها قال : تألق البرق نجديا فقلت له * يا أيها البرق ، إني عنك مشغول وإذا طرقته طيوفها الخيالية في ظلام ليل الشهوات ، نادى لسان حاله ، وتمثل بمثل قوله : طرقتك صائدة القلوب وليس ذا * وقت الزيارة . فارجعي بسلام فإذا ودعته وعزمت على الرحيل ، ووعدته بالموافاة ، بقول الآخر : قالت - وقد عزمت على ترحالها - * ماذا تريد ؟ فقلت : أن لا ترجعي فإذا باشرت هذه السكينة قلبه سكّنت خوفه . وهو قوله « يسكن إليها الخائف » وسلت حزنه . فإنها لا حزن معها ، فهي سلوة المحزون ، ومذهبة الهموم والغموم ، وكذلك تذهب عنه وخم ضجره . وتبعث نشوة العزم . وحالت بينه وبين الجرأة على مخالفة الأمر . وبين إباء النفس والانقياد إليه . واللّه أعلم . درجات السكينة قال : « وأما سكينة الوقار ، التي نزلها نعتا لأربابها : فإنها ضياء تلك السكينة الثالثة التي ذكرناها . وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : سكينة الخشوع عند القيام للخدمة : رعاية ، وتعظيما ، وحضورا » . « سكينة الوقار » هي نوع من السكينة . ولكن لما كانت موجبة للوقار سماها الشيخ « سكينة الوقار » .