ابن قيم الجوزية
632
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولما تولى عدوه الملقب بالجاشنكير الملك أخبروه بذلك . وقالوا : الآن بلغ مراده منك ، فسجد للّه شكرا وأطال . فقيل له : ما سبب هذه السجدة ؟ فقال : هذا بداية ذله ومفارقة عزه من الآن ، وقرب زوال أمره . فقيل : متى هذا ؟ فقال : لا تربط خيول الجند على القرط حتى تغلب دولته ، فوقع الأمر مثل ما أخبر به . سمعت ذلك منه . وقال مرة : يدخل عليّ أصحابي وغيرهم . فأرى في وجوههم وأعينهم أمورا لا أذكرها لهم . فقلت له - أو غيري - لو أخبرتهم ؟ فقال : أتريدون أن أكون معرّفا كمعرف الولاة ؟ وقلت له يوما : لو عاملتنا بذلك لكان أدعى إلى الاستقامة والصلاح . فقال : لا تصبرون معي على ذلك جمعة ، أو قال : شهرا . وأخبرني غير مرة بأمور باطنة تختص بي مما عزمت عليه ، ولم ينطق به لساني . وأخبرني ببعض حوادث كبار تجري في المستقبل . ولم يعين أوقاتها . وقد رأيت بعضها وأنا أنتظر بقيتها « 1 » . وما شاهده كبار أصحابه من ذلك أضعاف أضعاف ما شاهدته . واللّه أعلم . تعريف الفراسة قال صاحب المنازل رحمه اللّه : « الفراسة : استئناس حكم غيب » . والاستئناس : استفعال من آنست كذا ، إذا رأيته . فإن أدركت بهذا الاستئناس حكم غيب : كان فراسة . وإن كان بالعين : كان رؤية . وإن كان بغيرها من المدارك : فبحسبها . قوله « من غير استدلال بشاهده » . هذا الاستدلال بالشاهد على الغائب : أمر مشترك بين البر والفاجر ، والمؤمن والكافر ، كالاستدلال بالبروق والرعود على الأمطار ، وكاستدلال رؤساء البحر بالكدر الذي يبدو لهم في جانب الأفق على ريح عاصف . ونحو ذلك وكاستدلال الطبيب بالسّحنة والتّفسرة على حال المريض . ويدقّ ذلك حتى يبلغ إلى حد يعجز عنه أكثر الأذهان . وكما يستدل بسيرة الرجل وسيره على عاقبة أمره في الدنيا من خير أو شر . فيطابق ، أو يكاد . فهذا خارج عن الفراسة التي تتكلم فيها هذه الطائفة . وهو نوع فراسة ، لكنها غير فراستهم . وكذلك ما علم بالتجربة من مسائل الطب والصناعات والفلاحة وغيرها . واللّه أعلم . درجات الفراسة قال : « وهي على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : فراسة طارئة نادرة . تسقط على لسان وحشي في العمر مرة ، لحاجة سمع مريد صادق إليها . لا يتوقف على مخرجها . ولا يؤبه
--> ( 1 ) مفاتح الغيب عند اللّه لا يعلمها إلا هو سبحانه وغفر اللّه لنا وله . فأين هذا من الفراسة . وإنما هلك من هلك بالغلو في شيوخهم . عفا اللّه عنه .