ابن قيم الجوزية

629

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ويقال في بعض الكتب القديمة : إن الصّدّيق لا تخطىء فراسته . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : أفرس الناس ثلاثة : العزيز في يوسف ، حيث قال لامرأته أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [ يوسف : 21 ] وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى اسْتَأْجِرْهُ [ القصص : 26 ] وأبو بكر في عمر رضي اللّه عنهما ، حيث استخلفه . وفي رواية أخرى : وامرأة فرعون حين قالت : قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً [ القصص : 9 ] . وكان الصديق رضي اللّه عنه أعظم الأمة فراسة . وبعده عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ووقائع فراسته مشهورة . فإنه ما قال لشيء « أظنه كذا » إلا كان كما قال . ويكفي في فراسته : موافقته ربه في المواضع المعروفة . ومر به سواد بن قارب ، ولم يكن يعرفه . فقال « لقد أخطأ ظني ، أو أن هذا كاهن ؛ أو كان يعرف الكهانة في الجاهلية » فلما جلس بين يديه قال له ذلك عمر . فقال « سبحان اللّه ، يا أمير المؤمنين ، ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به . فقال له عمر رضي اللّه عنه : ما كنا عليه في الجاهلية أعظم من ذلك . ولكن أخبرني عما سألتك عنه . فقال : صدقت يا أمير المؤمنين . كنت كاهنا في الجاهلية . ثم ذكر القصة » . وكذلك عثمان بن عفان رضي اللّه عنه كان صادق الفراسة . وقال أنس بن مالك رضي اللّه عنه : « دخلت على عثمان بن عفان رضي اللّه عنه . وكنت رأيت امرأة في الطريق تأملت محاسنها . فقال عثمان رضي اللّه عنه : يدخل عليّ أحدكم وأثر الزنى ظاهر في عينيه . فقلت : أوحي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : ولكن تبصرة وبرهان وفراسة صادقة » « 1 » . وفراسة الصحابة رضي اللّه عنهم أصدق الفراسة . وأصل هذا النوع من الفراسة : من الحياة والنور اللذين يهبهما اللّه تعالى لمن يشاء من عباده ، فيحيا القلب بذلك ويستنير ، فلا تكاد فراسته تخطىء . قال اللّه تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام : 122 ] كان ميتا بالكفر والجهل ، فأحياه اللّه بالإيمان والعلم . وجعل له القرآن والإيمان نورا يستضيء به في الناس على قصد السبيل . ويمشي به في الظلم . واللّه أعلم . الفراسة الثانية : فراسة الرياضة والجوع ، والسهر والتخلي . فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها . وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر . ولا تدل على إيمان ولا على ولاية . وكثير من الجهال يغتر بها . وللرهبان فيها وقائع معلومة . وهي فراسة لا تكشف عن حق نافع « 2 » ولا عن طريق مستقيم .

--> ( 1 ) هذه روايات غير مستندة إلى ما يطمئن قلب المؤمن إليه . وبالأخص بالنسبة إلى أنس رضي اللّه عنه خادم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . على أن هذه ليست فراسة وإنما هي معرفة الغيب . وأنى لعثمان أن يجزم بالزنى هذا الجزم ، إلا أن يكون وحيا أو دعوى علم الغيب . وكلها منتف . ( 2 ) الأصح : أنها ليست فراسة . فإنهم برياضتهم السحرية الشيطانية : أظلم خلق اللّه نفوسا وقلوبا . وإنما هي نوع من استمتاع الشياطين بهم واستمتاعهم بالشياطين . أو هي غباوة وبلادة من المخدوعين بهم .