ابن قيم الجوزية

621

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والأسماع الصاخية ، وهو علم يظهر الغائب ، ويغيب الشاهد ، ويشير إلى الجمع » . يعني : أن هذا العلم خفيّ على أهل الدرجة الأولى ، وهو المسمى بالمعرفة عند هذه الطائفة . قوله : « ينبت في الأسرار الطاهرة » . لفظ « السر » يطلق في لسانهم ويراد به أمور : أحدها : اللطيفة المودعة في هذا القلب ، التي حصل بها الإدراك والمحبة والإرادة والعلم . وذلك هو الروح . الثاني : معنى : قائم بالروح . نسبته إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن . وغالب ما يريدون به : هذا المعنى . وعندهم : أن القلب أشرف ما في البدن ، والروح أشرف من القلب . والسر ألطف من الروح . وعندهم : للسر سر آخر . لا يطلع عليه غير الحق سبحانه . وصاحبه لا يطلع عليه ، وإن اطلع على سره . فيقولون « السر » ما لك عليه إشراف ، و « سر السر » ما لا اطلاع عليه لغير الحق سبحانه . والمعنى الثالث : يراد به ما يكون مصونا مكتوما بين العبد وبين ربه ، من الأحوال والمقامات . كما قال بعضهم : أسرارنا بكر . لم يفتضّها وهم واهم . ويقول قائلهم : لو عرف زرّي سرّي لطرحته . والمقصود قوله « ينبت في الأسرار الطاهرة » . يعني : الطاهرة من كدر الدنيا والاشتغال بها ، وعلائقها التي تعوق الأرواح عن ديار الأفراح . فإن هذه أكدار ، وتنفسات في وجه مرآة القلب والروح . فلا تنجلي فيها صور الحقائق كما ينبغي . والنفس تنفّس فيها دائما بالرغبة في الدنيا والرهبة من فوتها . فإذا جليت المرآة بإذهاب هذه الأكدار صفت . وظهرت فيها الحقائق والمعارف . وأما « الأبدان الزكية » . فهي التي زكت بطاعة اللّه ، ونبتت على أكل الحلال . فمتى خلصت الأبدان من الحرام ، وأدناس البشرية ، التي ينهى عنها العقل والدين والمروءة ، وطهرت الأنفس من علائق الدنيا : زكت أرض القلب . فقبلت بذر العلوم والمعارف . فإن سقيت - بعد ذلك - بماء الرياضة الشرعية النبوية المحمدية - وهي التي لا تخرج عن علم ، ولا تبعد عن واجب . ولا تعطل سنة - أنبتت من كل زوج كريم ، من علم وحكمة وفائدة وتعرف . فاجتنى منها صاحبها ومن جالسه أنواع الطّرف والفوائد ، والثمار المختلفة الألوان ، والأذواق ، كما قال بعض السلف : إذا عقدت القلوب على ترك المعاصي : جالت في الملكوت . ثم رجعت إلى أصحابها بأنواع التحف والفوائد . قوله : « وتظهر في الأنفاس الصادقة » يريد بالأنفاس أمرين : أحدهما : أنفاس الذكر والمعرفة .