ابن قيم الجوزية
617
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقال أبو الحسين النوري : من رأيتموه يدعي مع اللّه عزّ وجلّ حالة تخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقربوا منه . وقال محمد بن الفضل البلخي من مشايخ القوم الكبار : ذهاب الإسلام من أربعة : لا يعملون بما يعلمون ، ويعملون بما لا يعلمون ، ولا يتعلمون ما يعملون ويمنعون الناس من التعلم والتعليم . وقال عمرو بن عثمان المكي : العلم قائد . والخوف سائق . والنفس حرون بين ذلك ، جموح خداعة رواغة . فاحذرها وراعها بسياسة العلم . وسقها بتهديد الخوف : يتم لك ما تريد . وقال أبو سعيد الخراز : كل باطن يخالفه الظاهر فهو باطل . وقال ابن عطاء : من ألزم نفسه آداب السنة نوّر اللّه قلبه بنور المعرفة . ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره وأفعاله وأخلاقه . وقال : كل ما سألت عنه فاطلبه في مفازة العلم . فإن لم تجده ففي ميدان الحكمة . فإن لم تجده فزنه بالتوحيد . فإن لم تجده في هذه المواضع الثلاثة فاضرب به وجه الشيطان . وألقي بنان الحمال بين يدي السبع . فجعل السبع يشمه ولا يضره . فلما أخرج قيل له : ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع ؟ قال : كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السباع . وقال أبو حمزة البغدادي - من أكابر الشيوخ . وكان أحمد بن حنبل يقول له في المسائل : ما تقول يا صوفي ؟ - من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه . ولا دليل على الطريق إلى اللّه إلا متابعة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أحواله وأقواله وأفعاله . ومر الشيخ أبو بكر محمد بن موسى الواسطي يوم الجمعة إلى الجامع . فانقطع شسع نعله . فأصلحه له رجل صيدلاني . فقال : تدري لم انقطع شسع نعلي ؟ فقال : لا . فقال : لأني ما اغتسلت للجمعة . فقال : ههنا حمام تدخله ؟ فقال : نعم . فدخل واغتسل . وقال أبو إسحق الرقي ، من أقران الجنيد : علامة محبة اللّه : إيثار طاعته ، ومتابعة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . وقال أبو يعقوب النهرجوري : أفضل الأحوال : ما قارن العلم . وقال أبو القاسم النصر آباذي - شيخ خراسان في وقته - : أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة « 1 » . وترك الأهواء والبدع . وتعظيم كرامات المشايخ ، ورؤية أعذار الخلق . والمداومة على الأوراد ، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات . وقال أبو بكر الطمستاني - من كبار شيوخ الطائفة - : الطريق واضح ، والكتاب والسنة قائم بين أظهرنا ، وفضل الصحابة معلوم ، لسبقهم إلى الهجرة ولصحبتهم ، فمن صحب الكتاب والسنة ، وتغرب عن نفسه وعن الخلق ، وهاجر بقلبه إلى اللّه : فهو الصادق المصيب .
--> ( 1 ) وأين ذكر التصوف في كتاب اللّه أو سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، أو على لسان أحد من الصحابة ، أو من القرن الأول ، الذين هم أفضل الخلق بعد المرسلين . والسعادة كل السعادة إنما هي في تحري طريقهم : عقيدة وقولا ، وعملا . واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .