ابن قيم الجوزية
615
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
بهمتك أحدا . وتجعل هجرتك إلى الحق سرمدا » . أي لا تفارق حال الشهود . وهذا إنما يقدر عليه أهل التمكن الذين ظفروا بنفوسهم وقطعوا المسافات التي بين النفس وبين القلب . والمسافات التي بين القلب وبين اللّه ، بمجاهدة القطاع التي على تلك المسافات . قوله : « ولا تخلط بهمتك أحدا » . يعني : أن تعلق همتك بالحق وحده . ولا تعلق همتك بأحد غيره . فإن ذلك شرك في طريق الصادقين . قوله « وأن تجعل هجرتك إلى الحق سرمدا » . يعني : أن كل متوجه إلى اللّه بالصدق والإخلاص ، فإنه من المهاجرين إليه . فلا ينبغي أن يتخلف عن هذه الهجرة ، بل ينبغي أن يصحبها سرمدا . حتى يلحق باللّه عزّ وجلّ . فما هي إلا ساعة . ثم تنقضي * ويحمد غبّ السير من هو سائر وللّه على كل قلب هجرتان . وهما فرض لازم له على الأنفاس : هجرة إلى اللّه سبحانه بالتوحيد والإخلاص ، والإنابة والحب ، والخوف والرجاء والعبودية . وهجرة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : بالتحكيم له والتسليم والتفويض ، والانقياد لحكمه ، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته . فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ، ومتاهات الطريق . فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان فليحث على رأسه الرماد . وليراجع الإيمان من أصله . فيرجع وراءه ليقتبس نورا ، قبل أن يحال بينه وبينه ، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور . واللّه المستعان . منزلة العلم ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « العلم » . وهذه المنزلة إن لم تصحب السالك من أول قدم يضعه في الطريق إلى آخر قدم ينتهي إليه : فسلوكه على غير طريق . وهو مقطوع عليه طريق الوصول ، مسدود عليه سبل الهدى والفلاح ، مغلقة عنه أبوابها . وهذا إجماع من الشيوخ العارفين . ولم ينه عن العلم إلا قطاع الطريق منهم ، ونواب إبليس وشرطه . قال سيد الطائفة وشيخهم الجنيد بن محمد رحمه اللّه : الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى آثار الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وقال : من لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث ، لا يقتدى به في هذا الأمر ، لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة . وقال : مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة . وقال أبو حفص رحمه اللّه : من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ولم