ابن قيم الجوزية

598

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

أي هو الذي وحد نفسه في الحقيقة ، فتوحيد العبد منسوب إليه حقيقة . ونسبته إلى العبد غير حقيقية . إذ ذاك لم يكن به ولا منه ، وإنما هو مجعول فيه . فإن سمي « موحدا ذاكرا » فلكونه مجرى ومحلا لما أجري فيه ، كما يسمى أبيض وأسود ، وطويلا وقصيرا ، لكونه محلا لهذه الصفات لا صنع له فيها . ولم توجبها مشيئته ولا حوله ولا قوته . هذا مع ما يتصل بذلك من استيلاء القرب والفناء عن الرسم ، والغيبة بالمشهود عن الشهود ، وقوة الوارد ، فيتركب من ذلك ذوق خاص : أنه ما وحد اللّه إلا اللّه . وما ذكر اللّه إلا اللّه ، وما أحب اللّه إلا اللّه . فهذا حقيقة ما عند القوم . فالعارفون منهم أرباب البصائر أعطوا - مع ذلك - العبودية حقها والعلم حقه ، وعرفوا أن العبد عبد حقيقة من كل وجه . والرب رب حقيقة من كل وجه . وقاموا بحق العبودية باللّه لا بأنفسهم . وللّه لا لحظوظهم ، وفنوا بمشاهدة معاني أسمائه وصفاته عما سواه . وبما له محبة ورضى عما به كونا ومشيئة . فإن الكون كله به ، والذي له : هو محبوبه ومرضيه . فهو له وبه . والمنحرفون فنوا بما به عما له ، فوالوا أعداءه . وعطلوا دينه . وسووا بين محابه ومساخطه . ومواقع رضاه وغضبه . واللّه المستعان . قوله « التخلص من شهود ذكرك » . يعني بفناء شهود ذكره لك عن شهود ذكرك له . وهذا الشهود يريح العبد من رؤية النفس ، وملاحظة العمل ، ويميته ويحييه . يميته عن نفسه ، ويحييه بربه ، ويفنيه ويقتطعه من نفسه ويوصله بربه . وهذا هو عين الظفر بالنفس . قال بعض العارفين : انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بنفوسهم . قوله : « ومعرفة افتراء الذاكر في بقائه مع الذكر » . يعني أن الباقي مع الذكر يشهد على نفسه أنه ذاكر . وذلك افتراء منه . فإنه لا فعل له . ولا يزول عنه هذا الافتراء إلا إذا فني عن ذكره . فإن شهود ذكره وبقاءه معه افتراء ، يتضمن نسبة الذكر إليه . وهي في الحقيقة ليست له . فيقال : سبحان اللّه ! أي افتراء في هذا ؟ وهل هذا إلا شهود الحقائق على ما هي عليه ؟ فإنه إذا شهد نفسه ذاكرا بجعل اللّه له ذاكرا وتأهيله له . وتقدّم ذكره للعبد على ذكر العبد له . فاجتمع في شهوده الأمران . فأي افتراء ههنا ؟ وهل هذا إلا عين الحق . وشهود الحقائق على ما هي عليه ؟ . نعم الافتراء : أن يشهد ذلك به وبحوله وقوته لا باللّه وحده . لكن الشيخ لا تأخذه في الفناء لومة لائم . ولا يصغي فيه إلى عاذل . والذي لا ريب فيه : أن البقاء في الذكر أكمل من الفناء فيه والغيبة به . لما في البقاء من التفصيل والمعارف ، وشهود الحقائق على ما هي عليه . والتمييز بين الرب والعبد . وما قام بالعبد . وما قام بالرب تعالى . وشهود العبودية والمعبود . وليس في الفناء شيء من ذلك . والفناء كاسمه « الفناء » والبقاء « بقاء » كاسمه . والفناء مطلوب لغيره والبقاء مطلوب لنفسه . والفناء وصف العبد . والبقاء وصف الرب . والفناء عدم . والبقاء وجود . والفناء نفي . والبقاء إثبات . والسلوك