ابن قيم الجوزية

588

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الظاهرة والباطنة ، ولا إلف لهم به . فأوجبت قوة المشاهدة والوارد ، وضعف المحل والحامل : غلبته على العقل . والكامل من القوم يثبت لذلك ولا يتحرك . بل يبقى كأنه جبل . وتلا الجنيد في مثل هذه الحال - وقد قيل له أما يغيرك ما تسمع ؟ - فتلا : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النّمل : 88 ] . وبعضهم تلا في مثل ذلك : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ [ الكهف : 18 ] . وقوم أقوى تمكينا من هؤلاء : لم يغلبهم على عقولهم . بل سلبهم طاقة صبرهم . فبدا منهم ما ينافي الصبر . وأما قوله : « وحل عنهم قيود العلم » . فكلام لا بد من تأويله . وتكلف وجه يصححه . وأحسن ما يحمل عليه : أن العلم يقيد صاحبه . والمعرفة تطلقه . وتوسع بطانه وتريه حقائق الأشياء . فتزول عنه التقيدات التي كانت حاصلة بسبب خفاء نور المعرفة وكشفها عليه . فإن العارف صاحب ضياء الكشف أوسع بطانا وقلبا . وأعظم إطلاقا بلا شك من صاحب العلم . ونسبته إليه كنسبة صاحب العلم إلى الجاهل . فكما أن العالم أوسع بطانا من الجاهل . وله إطلاق بحسب علمه فالعارف - بما معه من روح العلم . وضياء الكشف ونوره - هو أكثر إطلاقا . وأوسع بطانا من صاحب العلم . فيتقيد العالم بظواهر العلم وأحكامه . والعارف لا يراها قيودا . ومن ههنا تزندق من تزندق . وظن أنه إذا لاحت له حقائقها ، وبواطنها : خلع قيود ظواهرها ورسومها ، اشتغالا بالمقصود عن الوسيلة . وبالحقيقة عن الرسم . فهؤلاء هم المقطوعون عن اللّه ، القطاع لطريق اللّه . وهم معاطب الطريق وآفاتها . واتفق أن العارفين تكلموا في الحقائق . وأمروا بالانتقال من الرسوم والظواهر إليها ، وأن لا يقف عندها . فظن هؤلاء الزنادقة : أنهم جوزوا خلعها ، والانحلال منها . ولا ريب أن من جوز ذلك : فهو مثل هؤلاء . واللّه يركم الخبيث بعضه على بعض . فيجعله في جهنم . أولئك هم الخاسرون . فصاحب المنازل : أشار إلى المعنى الحق الصحيح . كما أشار إليه شيوخ القوم « 1 » . وأما استدلاله بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة . ولا فتنة مضلة » . فليس مطابقا لما ذكره في هذه الدرجة . فأين طلب الشوق إلى لقائه ، الباعث على كمال الاستعداد ، وعلى خفة أعباء السير ،

--> ( 1 ) بل أنت أيها الشيخ الجليل الذي فسرت كلامه على ما تحب له . رغبة منك في الدفاع عنه ، وفي صرف الصوفية عما هم فيه من الأباطيل والمحالات إلى ما تحب لهم من الحق والهدى . وجذبهم إلى صراط اللّه المستقيم . فجزاك اللّه خيرا .