ابن قيم الجوزية

581

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والثاني : غذاء روحاني معنوي ، خارج عن الطعام والشراب : من السرور والفرح ، والابتهاج واللذة . والعلوم والمعارف . وبهذا الغذاء كان سماويا علويا . وبالغذاء المشترك كان أرضيا سفليا . وقوامه بهذين الغذاءين . وله ارتباط بكل واحدة من الحواس الخمس ، وغذاء يصل إليه منها . فله ارتباط بحاسة اللمس . ويصل إليه منها غذاء . وكذلك حاسة الشم . وكذلك حاسة الذوق . وكذلك ارتباطه بحاستي السمع والبصر : أشد من ارتباطه بغيرهما . ووصول الغذاء منهما إليه أكمل ، وأقوى من سائر الحواس . وانفعاله عنهما أشد من انفعاله عن غيرهما . ولهذا تجد في القرآن اقترانه بهما أكثر من اقترانه بغيرهما . بل لا يكاد يقرن إلا بهما ، أو بإحداهما . قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) [ النّحل : 78 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 26 ) [ الأحقاف : 26 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 179 ) [ الأعراف : 179 ] وقال تعالى في صفة الكفار صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ البقرة : 171 ] وقال تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) [ الحجّ : 46 ] وهذا كثير جدا في القرآن . لأن تأثره بما يراه ويسمعه : أعظم من تأثره بما يلمسه ويذوقه ويشمّه . ولأن هذه الثلاثة : هي طرق العلم . وهي : السمع والبصر والعقل . وتعلق القلب بالسمع وارتباطه به : أشد من تعلقه بالبصر وارتباطه به . ولهذا يتأثر بما يسمعه من الملذوذات أعظم مما يتأثر بما يراه من المستحسنات . وكذلك في المكروهات سماعا ورؤية . ولهذا كان الصحيح من القولين : أن حاسة « السمع » أفضل من حاسة « البصر » لشدة تعلقها بالقلب ، وعظم حاجته إليها . وتوقف كماله عليها . ووصول العلوم إليه بها ، وتوقف الهدى على سلامتها « 1 » . ورجحت طائفة حاسة « البصر » لكمال مدركها . وامتناع الكذب فيه . وزوال الريب والشك به . ولأنه عين اليقين . وغاية مدرك حاسة « السمع » علم اليقين . وعين اليقين أفضل ، وأكمل من

--> - اللّه وحكمته البالغة . وبالسرور والفرح بالغناء والصورة الجميلة والأصوات المطربة ونحو ذلك . واللب والقلب الذي هو معنى الإنسانية وحقيقتها : إنما يتغذى ويحيا الحياة الطيبة بالتدبر في آيات اللّه الكونية والفهم واعتصار زيت الآيات القرآنية ليمد به نور فطرته . وما يوجد عند بعضهم من النشوة والانتعاش عند سماع الموسيقى والأغاني المنغمة على حركات الموسيقى - وإن كانت قرآنا - فإنما ذلك حركة النفس البهيمية ، لا القلب الإنساني الكريم . ( 1 ) الصواب : أن الحواس كلها مرتبطة بالقلب واللب والفؤاد ارتباطا قويا متناسقا متناسبا ، بحسب وظيفة كل حاسة وما خلقها اللّه له . واللّه أعلم .