ابن قيم الجوزية

576

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال بعضهم : رأيت الجنة والنار حقيقة . قيل له : وكيف ؟ قال : رأيتهما بعيني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ورؤيتي لهما بعينيه : آثر عندي من رؤيتي لهما بعيني . فإن بصري قد يطغى ويزيغ ، بخلاف بصره صلى اللّه عليه وسلم . و « اليقين » يحمله على الأهوال ، وركوب الأخطار ، وهو يأمر بالتقدم دائما . فإن لم يقارنه العلم : حمل على المعاطب . و « العلم » يأمر بالتأخر والإحجام . فإن لم يصحبه « اليقين » قعد بصاحبه عن المكاسب والغنائم . واللّه أعلم . تعريف اليقين قال صاحب المنازل رحمه اللّه . « اليقين : مركب الآخذ في هذا الطريق . وهو غاية درجات العامة . وقيل : أول خطوة للخاصة » . لما كان « اليقين » هو الذي يحمل السائر إلى اللّه - كما قال أبو سعيد الخراز : العلم ما استعملك . واليقين ما حملك - سماه مركبا يركبه السائر إلى اللّه . فإنه لولا « اليقين » ما سار ركب إلى اللّه ، ولا ثبت لأحد قدم في السلوك إلا به . وإنما جعله آخر درجات العامة : لأنهم إليه ينتهون . ثم حكى قول من قال : إنه أول خطوة للخاصة . يعني : أنه ليس بمقام لهم . وإنما هو مبدأ لسلوكهم . فمنه يبتدئون سلوكهم وسيرهم . وهذا لأن الخاصة عنده سائرون إلى عين الجمع والفناء في شهود الحقيقة . لا تقف بهم دونها همة . ولا يعرجون دونها على رسم . فكل ما دونها فهو عندهم من مشاهد العامة ، ومنازلهم ومقاماتهم . حتى المحبة . وحسبك بجعل « اليقين » نهاية للعامة ، بداية لهم . درجات اليقين « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : علم اليقين . وهو قبول ما ظهر من الحق . وقبول ما غاب للحق . والوقوف على ما قام بالحق » . ذكر الشيخ في هذه الدرجة ثلاثة أشياء ، هي متعلق « اليقين » وأركانه . الأولى : قبول ما ظهر من الحق تعالى . والذي ظهر منه سبحانه : أوامره ونواهيه وشرعه ، ودينه الذي ظهر لنا منه على ألسنة رسله « 1 » . فنتلقاه بالقبول والانقياد ، والإذعان والتسليم للربوبية . والدخول تحت رق العبودية . الثاني « قبول ما غاب للحق » وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان

--> ( 1 ) الظاهر : أن هذا ليس مراده . وإلا فلم يكن يقابله بما غاب للحق . فإن هذه المقابلة تدل على أن الظاهر من الحق : هو هذه المشاهد الكونية . التي هي عند القوم صفاته حقهم وربهم . وما غاب : هو ما كمن في ذات الحق ، أو الحقيقة الإلهية من الخصائص التي هي مستعدة للبروز والظهور متطورة في الأزمنة والأمكنة ، كما في النواة والبذرة .