ابن قيم الجوزية
574
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وروى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن عبد اللّه بن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا ترضينّ أحدا بسخط اللّه . ولا تحمدنّ أحدا على فضل اللّه ، ولا تذمّنّ أحدا على ما لم يؤتك اللّه . فإن رزق اللّه لا يسوقه إليك حرص حريص . ولا يرده عنك كراهية كاره . وإن اللّه بعدله وقسطه جعل الروح والفرح في الرضى واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط » . « واليقين » قرين التوكل . ولهذا فسر التوكل بقوة اليقين . والصواب : أن التوكل ثمرته ونتيجته . ولهذا حسن اقتران الهدى به . قال اللّه تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [ النّمل : 79 ] فالحق : هو اليقين وقالت رسل اللّه وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا [ إبراهيم : 12 ] . ومتى وصل « اليقين » إلى القلب امتلأ نورا وإشراقا . وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط ، وهمّ وغمّ . فامتلأ محبة للّه ، وخوفا منه ، ورضى به ، وشكرا له ، وتوكلا عليه ، وإنابة إليه . فهو مادة جميع المقامات والحامل لها . واختلف فيه : هل هو كسبي ، أو موهبي ؟ فقيل : هو العلم المستودع في القلوب . يشير إلى أنه غير كسبي . وقال سهل : اليقين من زيادة الإيمان . ولا ريب أن الإيمان كسبي . والتحقيق : أنه كسبي باعتبار أسبابه ، موهبي باعتبار نفسه وذاته . قال سهل : ابتداؤه المكاشفة . كما قال بعض السلف « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » ثم المعاينة والمشاهدة . وقال ابن خفيف : هو تحقق الأسرار بأحكام المغيبات . وقال أبو بكر بن طاهر : العلم تعارضه الشكوك ، واليقين لا شك فيه . وعند القوم : اليقين لا يساكن قلبا فيه سكون إلى غير اللّه . وقال ذو النون : اليقين يدعو إلى قصر الأمل ، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد . والزهد يورث الحكمة . وهي تورث النظر في العواقب . قال : وثلاثة من أعلام اليقين : قلة مخالطة الناس في العشرة . وترك المدح لهم في العطية . والتنزه عن ذمهم عند المنع . وثلاثة من أعلامه أيضا : النظر إلى اللّه في كل شيء . والرجوع إليه في كل أمر . والاستعانة به في كل حال . وقال الجنيد : اليقين هو استقرار العلم الذي لا ينقلب ولا يحول ، ولا يتغير في القلب . وقال ابن عطاء : على قدر قربهم من التقوى أدركوا من اليقين . وأصل « التقوى » مباينة النهي . وهو مباينة النفس . فعلى قدر مفارقتهم النفس : وصلوا إلى اليقين . وقيل : اليقين هو المكاشفة . وهو على ثلاثة أوجه : مكاشفة في الأخبار . ومكاشفة بإظهار القدرة . ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان .