ابن قيم الجوزية
569
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
حتى يأمر هو ، وينهى ويأذن ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحجرات : 1 ] وهذا باق إلى يوم القيامة ولم ينسخ . فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته ، كالتقدم بين يديه في حياته ، ولا فرق بينهما عند ذي عقل سليم . قال مجاهد رحمه اللّه : لا تفتاتوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال أبو عبيدة : تقول العرب : لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب . أي لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه . وقال غيره : لا تأمروا حتى يأمر . ولا تنهوا حتى ينهى . ومن الأدب معه : أن لا ترفع الأصوات فوق صوته . فإنه سبب لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء ، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به ؟ أترى ذلك موجبا لقبول الأعمال ، ورفع الصوت فوق صوته موجب لحبوطها ؟ . ومن الأدب معه : أن لا يجعل دعاءه كدعاء غيره . قال تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [ النّور : 63 ] وفيه قولان للمفسرين : أحدهما : أنكم لا تدعونه باسمه ، كما يدعو بعضكم بعضا ، بل قولوا : يا رسول اللّه يا نبي اللّه . فعلى هذا : المصدر مضاف إلى المفعول ، أي دعاءكم الرسول . الثاني : أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضا . إن شاء أجاب ، وإن شاء ترك ، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بدّ من إجابته ، ولم يسعكم التخلف عنها البتة . فعلى هذا : المصدر مضاف إلى الفاعل ، أي دعاؤه إياكم . ومن الأدب معه : أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع - من خطبة ، أو جهاد ، أو رباط - لم يذهب أحد منهم مذهبا في حاجته حتى يستأذنه . كما قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ [ النّور : 62 ] فإذا كان هذا مذهبا مقيدا بحاجة عارضة ، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين : أصوله ، وفروعه ، دقيقه ، وجليله ؟ هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه ؟ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ النّحل : 43 ] . ومن الأدب معه : أن لا يستشكل قوله . بل تستشكل الآراء لقوله ، ولا يعارض نصّه بقياس بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه . ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولا ، نعم هو مجهول ، وعن الصواب معزول . ولا يوقف قبول ما جاء به صلى اللّه عليه وسلم على موافقة أحد . فكل هذا من قلة الأدب معه صلى اللّه عليه وسلم . وهو عين الجرأة . وأما الأدب مع الخلق : فهو معاملتهم - على اختلاف مراتبهم - بما يليق بهم . فلكل مرتبة أدب . والمراتب فيها أدب خاص . فمع الوالدين : أدب خاص وللأب منهما : أدب هو أخص به ، ومع العالم : أدب آخر ، ومع السلطان : أدب يليق به . وله مع الأقران أدب يليق بهم . ومع الأجانب : أدب غير أدبه مع أصحابه وذوي أنسه . ومع الضيف : أدب غير أدبه مع أهل بيته . ولكل حال أدب : فللأكل آداب . وللشرب آداب . وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم آداب . وللبول آداب . وللكلام آداب . وللسكوت والاستماع آداب .