ابن قيم الجوزية
554
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقد تنوعت عبارات القوم عنها . وغالبهم يخبر عنها بأنها ترك العادة . ومعنى هذا : أن عادة الناس غالبا التعريج على أوطان الغفلة ، وإجابة داعي الشهوة ، والإخلاد إلى أرض الطبيعة . والمريد منسلخ عن ذلك . فصار خروجه عنه : أمارة ودلالة على صحة الإرادة . فسمي انسلاخه وتركه إرادة . وقيل : نهوض القلب في طلب الحق . ويقال : لوعة تهوّن كل روعة . قال الدقاق : الإرادة لوعة في الفؤاد ، لذعة في القلب ، غرام في الضمير ، انزعاج في الباطن ، نيران تأجج في القلوب . وقيل : من صفات المريد : التحبب إلى اللّه بالنوافل ، والإخلاص في نصيحة الأمة ، والأنس بالخلوة ، والصبر على مقاساة الأحكام ، والإيثار لأمره ، والحياء من نظره ، وبذل المجهود في محبوبه . والتعرض لكل سبب يوصل إليه . والقناعة بالخمول . وعدم قرار القلب حتى يصل إلى وليه ومعبوده . وقال حاتم الأصم : إذا رأيت المريد يريد غير مراده ، فاعلم أنه أظهر نذالته . وقيل : من حكم المريد : أن يكون نومه غلبة ، وأكله فاقة ، وكلامه ضرورة . وقال بعضهم : نهاية الإرادة : أن تشير إلى اللّه . فتجده مع الإشارة . فقيل له : وأين تستوعبه الإشارة ؟ فقال : أن تجد اللّه بلا إشارة . وهذا كلام متين « 1 » . فإن المراتب ثلاثة : أعلاها : أن يكون واجدا للّه في كل وقت . لا يتوقف وجوده له على الإشارة منه ولا من غيره . الثاني : أن يكون له ملكة وحال وإرادة تامة ، بحيث إنه متى أشير له إلى اللّه وجده عند إشارة المشير . الثالث : أن لا يكون كذلك ، ويتكلف وجدانه عند الإشارة إليه . فالمرتبة الأولى : للمقربين السابقين . والوسطى : للأبرار المقتصدين . والثالثة : للغافلين . وقال أبو عثمان الحيري : من لم تصح إرادته ابتداء ، فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارا . وقال : المريد إذا سمع شيئا من علوم القوم فعمل به : صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به . وإذا تكلم انتفع به من سمعه ، ومن سمع شيئا من علومهم ولم يعمل به كان حكاية يحفظها أياما ثم ينساها . وقال الواسطي : أول مقام المريد : إرادة الحق بإسقاط إرادته . وقال يحيى بن معاذ : أشد شيء على المريد : معاشرة الأضداد . وسئل الجنيد : ما للمريد حظ في مجازات الحكايات ؟ فقال : الحكايات جند من جند اللّه
--> ( 1 ) بل هو متين في الإفصاح عن وحدة الوجود . فكل مشار إليه عندهم : هو ربهم . فأين تستوعبه الإشارة ؟ وغفر اللّه لشيخنا ابن القيم ورحمه اللّه .