ابن قيم الجوزية

551

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

منزلة العزم ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » « منزلة العزم » « 1 » . وقد ذكرنا في أول الكتاب أنه نوعان : أحدهما : عزم المريد على الدخول في الطريق . وهو بداية . والثاني : عزم السالك ، وهو مقام ذكره صاحب المنازل في وسط كتابه في قسم الأصول - فقال : « هو تحقيق القصد طوعا أو كرها » . أما قوله : « تحقيق القصد » فهو أن يكون قصده محققا ، لا يشوبه شيء من التردد . وأما تقسيمه هذا التحقيق إلى طوع وكره : فصحيح . فإن المختار : تحقيق قصده طوعا . وأما المكره : فتحقيق قصده كرها . فإنه إذا أكره على فعل ، وعزم عليه : فقد حقق قصده كرها لا طوعا . واختلف الفقهاء والأصوليون في المكره : هل يسمى مختارا ، أم لا ؟ . وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - يقول : التحقيق أنه محمول على الاختيار . فله اختيار في الفعل ، وبه صح وقوعه . فإنه لولا إرادته واختياره ، لما وقع الفعل . ولكنه محمول على أن هذه الإرادة والاختيار ليست من قبله . فهو مختار باعتبار أن حقيقة الإرادة والاختيار منه ، وغير مختار باعتبار أن غيره حمله على الاختيار ، ولم يكن مختارا من نفسه . هذا معنى كلامه . درجات العزم قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : إباء الحال على العلم ، لشيم برق الكشف ، واستدامة نور الأنس ، والإجابة لإماتة الهوى » . يريد ب « إباء الحال على العلم » استعصاؤه عليه ، وأن صاحب الحال : تأبى عليه حاله أن ينزل منه إلى درجة العلم ، ويصعب عليه ذلك كل الصعوبة . وهو انحطاط في رتبته . ولا يريد امتناع الحال عن طاعة العلم وتحكيمه « 2 » . فإن هذا انحلال ، وانسلاخ من الطريق بالكلية . فكل حال لا يطيع العلم ولا يحكمه فهو حال فاسد ، مبعد عن اللّه . لكن من وصل إلى حال العلم لم يحجبه حاله أن ينزل إلى درجة العلم . وينحط إليها بلا حال . فإن كان مراده هذا المعنى : فهو صحيح وإن كان مراده : امتناع الحال عن طاعة العلم ، لأن العلم يدعو إلى أحكام الغيبة والحجاب . والحال يدعو إلى أنس الكشف والحضور . فصاحب الحال لا يلتفت إلى العلم : فباطل . فإن العلم شرط في الحال تستحيل معرفة صحته بدونه .

--> ( 1 ) كتب في هامش أحد الأصول هنا هذه العبارة : قسم الأصول . وهو عشرة أبواب . وهي القصد : والعزم ، والإرادة ، والأدب ، واليقين ، والأنس ، والفقر ، والغنى ، ومقام المراد . ( 2 ) من أين لنا أنه لا يريد هذا ؟ ولنا ظاهر القول . واللّه يعلم إسرارهم .