ابن قيم الجوزية

538

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وفرقة رأت أنه سبحانه أوجب على نفسه أمورا لعبده ، فظنت أن العبد أوجبها عليه بأعماله ، وأن أعماله كانت سببا لهذا الإيجاب . والفرقتان غالطتان . والفرقة الثالثة : أهل الهدي والصواب ، قالت : لا يستوجب العبد على اللّه بسعيه نجاة ولا فلاحا . ولا يدخل أحدا عمله الجنة أبدا ، ولا ينجيه من النار ، واللّه تعالى - بفضله وكرمه ، ومحض جوده وإحسانه - أكد إحسانه وجوده وبره بأن أوجب لعبده عليه سبحانه حقا بمقتضى الوعد ، فإن وعد الكريم إيجاب ، ولو ب « عسى ، ولعل » . ولهذا قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « عسى : من اللّه واجب » . ووعد اللئيم خلف ، ولو اقترن به العهد والحلف . والمقصود : أن عدم رؤية العبد لنفسه حقا على اللّه لا ينافي ما أوجبه اللّه على نفسه . وجعله حقا لعبده . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي اللّه عنه : « يا معاذ ، أتدري ما حق اللّه على العباد ؟ قال : اللّه ورسوله أعلم . قال : حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا . يا معاذ ، أتدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك ؟ قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : حقهم عليه : أن لا يعذبهم بالنار » . فالرب سبحانه ما لأحد عليه حق . ولا يضيع لديه سعي . كما قيل : ما للعباد عليه حق واجب * كلا . ولا سعي لديه ضائع إن عذّبوا فبعدله ، أو نعّموا * فبفضله وهو الكريم الواسع وأما قوله « وتنزل عن رسمك في المشاهدة » . أي من جملة التواضع للحق : فناؤك عن نفسك ، فإن رسمه هي نفسه ، والنزول عنها فناؤه عنها حين شهوده الحضرة ، وهذا النزول يصح أن يقال كسبي باعتبار ، وإن كان عند القوم غير كسبي ، لأنه يحصل عند التجلي ، والتجلي نور ، والنور يقهر الظلمة ويبطلها ، والرسم عند القوم ظلمة ، فهي تنفر من النور بالذات ، فصار النزول عن الرسم حين التجلي ذاتيا . ووجه كونه كسبيا : أنه نتيجة المقامات الكسبية . ونتيجة الكسبيّ كسبيّ وثمرته ، وإن حصلت ضرورة بالذات : لم يمتنع أن يطلق عليها كونها كسبية باعتبار السبب . واللّه أعلم . منزلة الفتوّة ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الفتوة » . هذه المنزلة حقيقتها هي منزلة الإحسان إلى الناس ، وكف الأذى عنهم ، واحتمال أذاهم ، فهي استعمال حسن الخلق معهم ، فهي في الحقيقة نتيجة حسن الخلق واستعماله ، والفرق بينها وبين المروءة : أن المروءة أعم منها . فالفتوة نوع من أنواع المروءة ، فإن المروءة استعمال ما يجمّل ويزين مما هو مختص بالعبد ، أو متعد إلى غيره ، وترك ما يدنس ويشين مما هو مختص أيضا به ، أو متعلق بغيره . و « الفتوة » إنما هي استعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق . فهي ثلاثة منازل : منزلة التخلق وحسن الخلق ، ومنزلة الفتوّة ، ومنزلة المروءة ، وقد تقدمت منزلة الخلق .