ابن قيم الجوزية
525
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
و « الصبر » يحفظ عليه استدامة ذلك . ويحمله على الاحتمال ، وكظم الغيظ ، وكف الأذى ، وعدم المقابلة . وعلى كل خير ، كما تقدم . وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة . قال اللّه تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) [ البقرة : 45 ] . فهذه الثلاثة أشياء : بها يدرك التصوف ، والتصوف : زاوية من زوايا السلوك الحقيقي ، وتزكية النفس وتهذيبها . لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ، ومعية من تحبه . فإن المرء مع من أحب . كما قال سحنون : ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة . فإن المرء مع من أحب . واللّه أعلم . درجات الخلق قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : أن تعرف مقام الخلق . وأنهم بأقدارهم مربوطون وفي طاقاتهم محبوسون ، وعلى الحكم موقوفون فتستفيد بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك ، حتى الكلب . ومحبة الخلق إياك ، ونجاة الخلق بك » . فبهذه الدرجة : يكون تحسين الخلق مع الخلق في معاملتهم ، وكيفية مصاحبتهم . وبالثانية : تحسين الخلق مع اللّه في معاملته . وبالثالثة : درجة الفناء على قاعدته وأصله . يقول : إذا عرفت مقام الخلق ، ومقاديرهم ، وجريان الأحكام القدرية عليهم ، وأنهم مقيدون بالقدر ، لا خروج لهم عنه البتة ، ومحبوسون في قدرتهم وطاقتهم . لا يمكنهم تجاوزها إلى غيرها ، وأنهم موقوفون على الحكم الكوني القدري لا يتعدونه ، استفدت بهذه المعرفة ثلاثة أشياء : أمن الخلق منك . وذلك : أنه إذا نظر إليهم بعين الحقيقة . لم يطالبهم بما لا يقدرون عليه . وامتثل فيهم أمر اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم بأخذ العفو منهم ، فأمنوا من تكليفه إياهم . وإلزامه لهم ما ليس في قواهم وقدرهم . وأيضا فإنهم يأمنون لائمته . فإنه في هذه الحال عاذر لهم فيما يجري عليهم من الأحكام فيما لم يأمر الشرع بإقامته فيهم . لأنهم إذا كانوا محبوسين في طاقتهم فينبغي مطالبتهم بما يطالب به المحبوس ، وعذرهم بما يعذر به المحبوس . وإذا بدا منهم في حقك تقصير أو إساءة ، أو تفريط . فلا تقابلهم به ولا تخاصمهم . بل اغفر لهم ذلك واعذرهم . نظرا إلى جريان الأحكام عليهم ، وأنهم آلة . وههنا ينفعك الفناء بشهود الحقيقة عن شهود جنايتهم عليك ، كما قال بعض العارفين لرجل تعدى عليه وظلمه : إن كنت ظالما فالذي سلطك عليّ ليس بظالم . وههنا للعبد أحد عشر مشهدا فيما يصيبه من أذى الخلق وجنايتهم عليه : أحدها : المشهد الذي ذكره الشيخ رحمه اللّه . وهو مشهد « القدر » وأن ما جرى عليه : بمشيئة اللّه وقضائه وقدره . فيراه كالتأذي بالحر والبرد ، والمرض والألم ، وهبوب الرياح ، وانقطاع الأمطار . فإن الكل أوجبته مشيئة اللّه . فما شاء اللّه كان . ووجب وجوده . وما لم يشأ لم يكن ، وامتنع وجوده . وإذا شهد هذا : استراح . وعلم أنه كائن لا محالة . فما للجزع منه وجه . وهو كالجزع من الحر والبرد والمرض والموت .