ابن قيم الجوزية
521
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وإذا انحرفت عن « القناعة » انحرفت : إما إلى حرص وكلب ، وإما إلى خسّة ومهانة وإضاعة . وإذا انحرفت عن خلق « الرحمة » انحرفت : إما إلى قسوة ، وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس ، كمن لا يقدم على ذبح شاة ، ولا إقامة حد ، وتأديب ولد . ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك . وقد ذبح أرحم الخلق صلى اللّه عليه وسلم بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة . وقطع الأيدي من الرجال والنساء ، وضرب الأعناق . وأقام الحدود ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم . وكان أرحم خلق اللّه على الإطلاق وأرأفهم . وكذلك طلاقة الوجه ، والبشر المحمود . فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد ، وطي البشر عن البشر ، وبين الاسترسال بذلك مع كل أحد ، بحيث يذهب الهيبة ، ويزيل الوقار ، ويطمع في الجانب ، كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة ، والنفرة في قلوب الخلق . وصاحب الخلق الوسط : مهيب محبوب ، عزيز جانبه ، حبيب لقاؤه . وفي صفة نبينا صلى اللّه عليه وسلم « من رآه بديهة هابه . ومن خالطه عشرة أحبه » واللّه أعلم . نافع جدا عظيم النفع للسالك . يوصله عن قريب ، ويسيره بأخلاقه التي لا يمكنه إزالتها . فإن أصعب ما على الطبيعة الإنسانية : تغيير الأخلاق التي طبعت النفوس عليها . وأصحاب الرياضات الصعبة والمجاهدات الشاقة إنما عملوا عليها ، ولم يظفر أكثرهم بتبديلها . لكن النفس اشتغلت بتلك الرياضات عن ظهور سلطانها . فإذا جاء سلطان تلك الأخلاق وبرز : كسر جيوش الرياضة وشتتها . واستولى على مملكة الطبع . وهذا فصل يصل به السالك مع تلك الأخلاق . ولا يحتاج إلى علاجها وإزالتها . ويكون سيره أقوى وأجل وأسرع من سير العامل على إزالتها . ونقدم قبل هذا مثلا نضربه . مطابقا لما نريده . وهو : نهر جار في صببه ومنحدره ، ومنته إلى تغريق أرض وعمران ودور . وأصحابها يعلمون أنه لا ينتهي حتى يخرّب دورهم . ويتلف أراضيهم وأموالهم . فانقسموا ثلاث فرق : فرقة صرفت قواها وقوى أعمالها إلى سكره وحبسه وإيقافه . فلا تصنع هذه الفرقة كبير أمر . فإنه يوشك أن يجتمع ثم يحمل على السكر ، فيكون إفساده وتخريبه أعظم . وفرقة رأت هذه الحالة . وعلمت أنه لا يغني عنها شيئا . فقالت : لا خلاص من محذوره إلا بقطعه من أصل الينبوع . فرامت قطعه من أصله . فتعذر عليها ذلك غاية التعذر ، وأبت الطبيعة النهرية عليهم ذلك أشد الإباء ، فهم دائما في قطع الينبوع ، وكلما سدوه من موضع نبع من موضع ، فاشتغل هؤلاء بشأن هذا النهر عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار . فجاءت فرقة ثالثة ، خالفت رأي الفرقتين . وعلموا أنهم قد ضاع عليهم كثير من مصالحهم . فأخذوا في صرف ذلك النهر عن مجراه المنتهي إلى العمران ، فصرفوه إلى موضع ينتفعون بوصوله إليه . ولا يتضررون به . فصرفوه إلى أرض قابلة للإنبات وسقوها به ، فأنبتت أنواع العشب والكلإ والثمار المختلفة الأصناف ، فكانت هذه الفرقة هم أصوب الفرق في شأن هذا النهر .