ابن قيم الجوزية

517

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وقال الحسن رضي اللّه عنه : هو آداب القرآن . وقال قتادة : هو ما كان يأمر به من أمر اللّه . وينهى عنه من نهي اللّه . والمعنى : إنك لعلى الخلق الذي آثرك اللّه به في القرآن . وفي « الصحيحين » : أن هشام بن حكيم « سأل عائشة رضي اللّه عنها عن خلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقالت : كان خلقه القرآن . فقال : لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا » . وقد جمع اللّه له مكارم الأخلاق في قوله تعالى : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف : 199 ] قال جعفر بن محمد : أمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بمكارم الأخلاق . وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . وقد ذكر : أنه لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لجبريل « ما هذا ؟ قال : لا أدري حتى أسأل ، فسأل . ثم رجع إليه . فقال : إن اللّه يأمرك أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك » . ولا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال : أحدها : أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم . الثاني : أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة . الثالث : أن الناس معه قسمان : موافق له موال ، ومعاد له معارض . وعليه في كل واحد من هذه واجب . فواجبه في أمرهم ونهيهم : أن يأمر بالمعروف . وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم . وينهاهم عن ضده . وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة : أن يأخذ منهم ما سهل عليهم ، وطوعّت له به أنفسهم ، سماحة واختيارا . ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم . وواجبه عند جهل الجاهلين عليه : الإعراض عنهم . وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه . فقد قال اللّه تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ( 199 ) [ الأعراف : 199 ] قال عبد اللّه بن الزبير رضي اللّه عنهما : أمر اللّه نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس . وقال مجاهد : يعني خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس ، مثل قبول الأعذار ، والعفو والمساهلة ، وترك الاستقصاء في البحث ، والتفتيش عن حقائق بواطنهم . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : خذ ما عفا لك من أموالهم . وهو الفاضل عن العيال ، وذلك معنى قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [ البقرة : 219 ] . ثم قال تعالى : وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [ الأعراف : 199 ] وهو كل معروف . وأعرفه : التوحيد . ثم حقوق العبودية وحقوق العبيد . ثم قال تعالى : وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [ الأعراف : 199 ] يعني إذا سفه عليك الجاهل فلا تقابله بالسفه . كقوله تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] وعلى هذا فليست بمنسوخة . بل يعرض عنه مع إقامة حق اللّه عليه . ولا ينتقم لنفسه . وهكذا كان خلقه صلى اللّه عليه وسلم . قال أنس رضي اللّه عنه « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحسن الناس خلقا » وقال « ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ولا شممت رائحة قط أطيب من