ابن قيم الجوزية
511
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وقد سأل الصحابة رضي اللّه عنهم النبي صلى اللّه عليه وسلم عن المتوضىء بماء البحر ؟ فقال : « هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته » فأجابهم عن سؤالهم . وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه . وكانوا إذا سألوه عن الحكم نبههم على علته وحكمته . كما سألوه عن بيع الرطب بالتمر ؟ فقال « أينقص الرطب إذا جفّ ؟ قالوا ؛ نعم . قال : فلا . إذن » ولم يكن يخفى عليه صلى اللّه عليه وسلم نقصان الرطب بجفافه ، ولكن نبههم على علة الحكم . وهذا كثير جدا في أجوبته صلى اللّه عليه وسلم . مثل قوله : « إن بعت من أخيك ثمرة ، فأصابتها جائحة فلا يحلّ لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا . بم يأخذ أحدكم مال أخيه ، بغير حق ؟ » وفي لفظ « أرأيت إن منع اللّه الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟ » فصرح بالعلة التي يحرم لأجلها إلزامه بالثمن . وهي منع اللّه الثمرة التي ليس للمشتري فيها صنع . وكان خصومه - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية - يعيبونه بذلك . ويقولون : سأله السائل عن طريق مصر - مثلا - فيذكر له معها طريق مكة ، والمدينة ، وخراسان ، والعراق ، والهند . وأي حاجة بالسائل إلى ذلك ؟ ولعمر اللّه ليس ذلك بعيب ، وإنما العيب : الجهل والكبر . وهذا موضع المثل المشهور : لقبوه بحامض وهو خل * مثل من لم يصل إلى العنقود الخامسة : الجود بالنفع بالجاه . كالشفاعة والمشي مع الرجل إلى ذي سلطان ونحوه . وذلك زكاة الجاه المطالب بها العبد . كما أن التعليم وبذل العلم زكاته . السادسة : الجود بنفع البدن على اختلاف أنواعه . كما قال صلى اللّه عليه وسلم « يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة . كل يوم تطلع فيه الشمس ، يعدل بين اثنين : صدقة . ويعين الرجل في دابته ، فيحمله عليها ، أو يرفع له عليها متاعه : صدقة . والكلمة الطيبة : صدقة ، وبكل خطوة يمشيها الرجل إلى الصلاة : صدقة . ويميط الأذى عن الطريق : صدقة » متفق عليه . السابعة : الجود بالعرض ، كجود أبي ضمضم من الصحابة رضي اللّه عنهم . كان إذا أصبح قال : « اللهم إنه لا مال لي ، أتصدق به على الناس . وقد تصدقت عليهم بعرضي ، فمن شتمني ، أو قذفني : فهو في حل . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : من يستطيع منكم أن يكون كأبي ضمضم ؟ » . وفي هذا الجود من سلامة الصدر ، وراحة القلب ، والتخلص من معاداة الخلق ما فيه . الثامنة : الجود بالصبر ، والاحتمال ، والإغضاء . وهذه مرتبة شريفة من مراتبه . وهي أنفع لصاحبها من الجود بالمال ، وأعزّ له وأنصر ، وأملك لنفسه ، وأشرف لها ، ولا يقدر عليها إلا النفوس الكبار . فمن صعب عليه الجود بماله فعليه بهذا الجود . فإنه يجتني ثمرة عواقبه الحميدة في الدنيا قبل الآخرة . وهذا جود الفتوة . قال تعالى : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : 45 ] وفي هذا الجود . قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 40 ) [ الشّورى : 40 ] فذكر المقامات الثلاثة في هذه الآية : مقام العدل ، وأذن فيه . ومقام الفضل ، وندب إليه . ومقام الظلم ، وحرمه .