ابن قيم الجوزية
507
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
للأبرار والفجار ، بل لأولياء اللّه وأعدائه . فيكون الرجل له شهود بمشهوده ، وحال في طلبه ، لا يوجب كونه حقا ولا باطلا . فإن كل من اعتقد عقيدة ، وارتاض وصقل قلبه بأنواع الرياضة وجزم بما اعتقده : تجلّت له صورة معتقده في عالم نفسه . فيظن ذلك كشفا صحيحا . وإن كان صادقا في طلبه وحبه لما اعتقده : كان له فيه حال وتأثير بحسبه . فالحوالة على الحال حوالة مفلس من العلم على غير مليء به . ومن ههنا دخل الداخل على أكثر السالكين . وانعكس سيرهم ، حيث أحالوا العلم على الحال . وحكموه عليه . وسير أولياء اللّه وعباده الأبرار والمقربين : بخلاف هذا . وهو إحالة الحال على العلم ، وتحكيمه عليه وتقديمه ، ووزنه به وقبول حكمه . فإن وافقه العلم ، وإلا كان حالا فاسدا ، منحرفا عن أحوال الصادقين بحسب بعده عن العلم . فالعلم حاكم والحال محكوم عليه . والعلم راع والحال من رعيته . فمن لم يكن هذا أصل بناء سلوكه فسلوكه فاسد . وغايته : الانسلاخ من العلم والدين . كما جرى ذلك لمن جرى له « 1 » . واللّه المستعان . ونحن لا ننكر ما ذكرتم - من غيبة الشاهد بمشهوده عن شهوده ، وبمذكوره عن ذكره ، وبمعروفه عن معرفته ، وبمحبوبه عن حبه - لكن ننكر كون هذا أكمل حالا من صاحب البقاء والتمييز ، وشهود الحقائق على ما هي عليه . فلا يحتاج أن يشهد حاله زورا . لأنه لم يحصل له ما حصل لصاحب السكر والاصطلام من الزور . فهو أكمل منه حقيقة وشرعا . وأما الغائب عن الحقيقة الكونية بشهود فعله : فإنه متى صحبه استصحاب عقد التوحيد ، وأن مصدر كل شيء مشيئة اللّه وحده ، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه لا يتحرك متحرك في ظاهره أو باطنه إلا به سبحانه : فلا تضره الغيبة عن هذا المشهد ، باستغراقه في القصد والطلب والفعل . إذ حكمه جار عليه في هذه الحال . وليس ضيق قلبه عن استحضار ذلك وقت استجماع إرادته وفعله وطلبه : ذنبا . لا للخاصة ولا للعامة . ولا بالنسبة إلى مقامه أيضا . فإن الذنب تعمد مخالفة الأمر . وهذا ليس كذلك . ولا هو مطالب بالغيبة عن شهود الحقيقة ، والفناء فيها عن شهود الفعل وقيامه به ، مع اعتقاد أنه بمشيئة اللّه وحوله وقوته . وأما ما ذكرتم من أن مشاهدة القرب تجعل القصد قعودا : فكلام له خبيء . وقد أفصح عنه بعض المغرورين المخدوعين بقوله : ما بال عينك لا يقرّ قرارها ؟ * وإلام ظلك لا يني متنقلا ؟ فلسوف تعلم أن سيرك لم يكن * إلا إليك إذا بلغت المنزلا وكأن صاحبه يشير إلى أنه وجود قلبه ولسانه . ووجوده أقرب إليه من إرادته ولطفه . هذا خبيء هذا الكلام . وتعالى اللّه عن إلحاد هذا وأمثاله وإفكهم علوا كبيرا . بل هو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه . وأما ما ذكرتم من القرب : فإن أردتم عموم قربه إلى كل لسان من نطقه وإلى كل قلب من
--> ( 1 ) ممن قال : سبحاني سبحاني ، وما في الجبة إلا اللّه . وما حد الواحد من واحد .