ابن قيم الجوزية

499

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ذكر « 1 » ثم في غزو ، ثم في حج . ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره ، من أنواع النفع . ثم في أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر . أو في قيام بسبب فيه عمارة الدين والدنيا ، ثم في عيادة مريض ، أو تشييع جنازة . أو نصر مظلوم - إن أمكن - إلى غير ذلك من أنواع القرب والمنافع . فهو في تفرق دائم للّه ، وجمعية على اللّه . لا يملكه رسم ولا عادة ولا وضع . ولا يتقيد بقيد ولا إشارة . ولا بمكان معين يصلي فيه لا يصلي في غيره . وزيّ معين لا يلبس سواه . وعبادة معينة لا يلتفت إلى غيرها ، مع فضل غيرها عليها ، أو هي أعلى من غيرها في الدرجة . وبعد ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض . فإن البلاء والآفات والرياء والتصنع ، وعبادة النفس ، وإيثار مرادها ، والإشارة إليها : كلها في هذه الأوضاع ، والرسوم والقيود ، التي حبست أربابها عن السير إلى قلوبهم . فضلا عن السير من قلوبهم إلى اللّه تعالى . فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه وزيّه وقيده وإشارته - ولو إلى أفضل منه - استهجن ذلك . ورآه نقصا ، وسقوطا من أعين الناس ، وانحطاطا لرتبته عندهم . وهو قد انحط وسقط من عين اللّه . وقد يحسّ أحدهم ذلك من نفسه وحاله . ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيّه وقيوده : أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه . وهذا شأن الكذاب المرائي الذي يبدي للناس خلاف ما يعلمه اللّه من باطنه ، العامل على عمارة نفسه ومرتبته . وهذا هو النفاق بعينه . ولو كان عاملا على مراد اللّه منه ، وعلى الصدق مع اللّه : لأثقلته تلك القيود . وحبسته تلك الرسوم . ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن اللّه لا إليه . ولما بالى أيّ ثوب لبس ، ولا أيّ عمل عمل ، إذا كان على مراد اللّه من العبد . فكلام أبي القاسم الجنيد حق ، كلام راسخ في الصدق ، عالم بتفاصيله وآفاته ، ومواضع اشتباهه بالكذب . وأيضا فحمل الصدق كحمل الجبال الرواسي . لا يطيقه إلا أصحاب العزائم . فهم يتقلبون تحته تقلب الحامل بحمله الثقيل . والرياء والكذب خفيف كالريشة لا يجد له صاحبه ثقلا البتة . فهو حامل له في أي موضع اتفق ، بلا تعب ولا مشقة ولا كلفة . فهو لا يتقلب تحت حمله ولا يجد ثقله . وقال بعضهم : لا يشم رائحة الصدق عبد داهن نفسه أو غيره . وقال بعضهم : الصادق الذي يتهيأ له أن يموت ولا يستحيي من سره لو كشف ، قال اللّه تعالى : فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ البقرة : 94 ] . قلت : هذه الآية فيها للناس كلام معروف .

--> ( 1 ) وهل الصلاة إلا الذكر الأكبر . فإن كان المراد : ذكر الصوفية ورقصهم - وبرأ اللّه الإمام ابن القيم من ذلك - فهذا ليس ذكرا . وإنما هو لعب مع الشيطان ومشاقة للرحمن . وأما ذكر اللّه - الذي تطمئن به قلوب المؤمنين - : فهو أن يكون قلبك حاضرا مع اللّه ربك في كل حركة وسكنة وشأن . في يقظة ويقين : أنها من اللّه الرحمن الرحيم . يريبك بها ويبتليك بها ، لتكون بها من المفلحين في الأولى والأخرى فتشكره على نعمه : بحسن الثناء عليه ، وحسن الانتفاع بها . فتضعها مواضعها على الوجه الذي يرضاه اللّه ويحبه لك .