ابن قيم الجوزية

496

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فالصدق في الأقوال : استواء اللسان على الأقوال ، كاستواء السنبلة على ساقها . والصدق في الأعمال : استواء الأفعال على الأمر والمتابعة . كاستواء الرأس على الجسد . والصدق في الأحوال : استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص . واستفراغ الوسع ، وبذل الطاقة . فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق . وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به : تكون صديقيته . ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي اللّه عنه وأرضاه : ذروة سنام الصديقية ، سمي « الصدّيق » على الإطلاق ، و « الصديق » أبلغ من الصدوق ، والصدوق أبلغ من الصادق . فأعلى مراتب الصدق : مرتبة الصديقية . وهي كمال الانقياد للرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مع كمال الإخلاص للمرسل . وقد أمر اللّه تعالى رسوله : أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصّدق . فقال : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) [ الإسراء : 80 ] وأخبر عن خليله إبراهيم عليه السلام ، أنه سأله أن يهب له لسان صدق في الآخرين . فقال : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ( 84 ) [ الشّعراء : 84 ] وبشر عباده بأن لهم عنده قدم صدق ، ومقعد صدق . فقال تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] وقال : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 ) [ القمر : 54 ، 55 ] . فهذه خمسة أشياء : مدخل الصدق ، ومخرج الصدق . ولسان الصدق ، وقدم الصدق ، ومقعد الصدق . وحقيقة الصدق في هذه الأشياء : هو الحق الثابت ، المتصل باللّه ، الموصل إلى اللّه . وهو ما كان به وله . من الأقوال والأعمال . وجزاء ذلك في الدنيا والآخرة . فمدخل الصدق ، ومخرج الصدق : أن يكون دخوله وخروجه حقا ثابتا باللّه ، وفي مرضاته . بالظّفر بالبغية ، وحصول المطلوب ، ضد مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها . ولا له ساق ثابتة يقوم عليها . كمخرج أعدائه يوم بدر . ومخرج الصدق كمخرجه صلى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه في تلك الغزوة . وكذلك مدخله صلى اللّه عليه وسلم المدينة : كان مدخل صدق باللّه ، وللّه ، وابتغاء مرضاة اللّه . فاتصل به التأييد ، والظفر والنصر ، وإدراك ما طلبه في الدنيا والآخرة ، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب . فإنه لم يكن باللّه ، ولا للّه ، بل كان محادّة للّه ورسوله ، فلم يتصل به إلا الخذلان والبوار . وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حصن بني قريظة . فإنه لما كان مدخل كذب : أصابه معهم ما أصابهم . فكل مدخل معهم ومخرج كان باللّه وللّه . فصاحبه ضامن على اللّه . فهو مدخل صدق ، ومخرج صدق . وكان بعض السلف إذا خرج من داره : رفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم إني أعوذ بك أن أخرج مخرجا لا أكون فيه ضامنا عليك . يريد : أن لا يكون المخرج مخرج صدق . ولذلك فسّر مدخل الصدق ومخرجه : بخروجه