ابن قيم الجوزية
494
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ألا ربّ من يدنو ويزعم أنه * يحبك والنائي أحب وأقرب وأهل السنة أولياء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وورثته وأحباؤه ، الذين هو عندهم أولى بهم من أنفسهم ، وأحب إليهم منها : يجدون نفوسهم أقرب إليه ، وهم في الأقطار النائية عنه من جيران حجرته في المدينة ، والمحبون المشتاقون للكعبة والبيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها وممن حولها . هذا مع عدم تأتي القرب منها . فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء ، وهو مستو على عرشه ، وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة معطّل بعيد من اللّه ، خليّ من محبته ومعرفته . والقصد : أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة . وكلما ازداد حبا ازداد قربا ، فالمحبة بين قربين : قرب قبلها ، وقرب بعدها ، وبين معرفتين : معرفة قبلها حملت عليها ، ودعت إليها ، ودلّت عليها ، ومعرفة بعدها ، هي من نتائجها وآثارها . وأما ربطه بروح الأنس : فهو تعلق قلبه بروح الأنس باللّه ، تعلقا لازما لا يفارقه . بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة . ولا ريب أن هذا يكرّه إليه ملابسة الخلق . بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربه ، وقرة عينه بحبه وقربه منه . فإنه ليس مع اللّه غيره . فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سرّه وروحه وقلبه . فقلبه وروحه في ملأ ، وبدنه ورسمه في ملأ . قال « الدرجة الثالثة : حياء يتولد من شهود الحضرة . وهي التي لا تشوبها هيبة . ولا تقارنها تفرقة . ولا يوقف لها على غاية » . شهود الحضرة : انجذاب الروح والقلب من الكائنات ، وعكوفه على رب البريات . فهو في حضرة قربه مشاهدا لها . وإذا وصل القلب إليها غشيته الهيبة وزالت عنه التفرقة . إذ ما مع اللّه سواه . فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى اللّه وحده . وهذا مقام الجمعية . وأما قوله « ولا يوقف لها على غاية » . فيعني أن كل من وصل إلى مطلوبه ، وظفر به : وصل إلى الغاية ، إلا صاحب هذا المشهد . فإنه لا يقف بحضرة الربوبية على غاية . فإن ذلك مستحيل . بل إذا شهد تلك الروابي ، ووقف على تلك الربوع ، وعاين الحضرة التي هي غاية الغايات ، شارف أمرا لا غاية له ولا نهاية . والغايات والنهايات كلها إليه تنتهي وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى ( 42 ) [ النّجم : 42 ] فانتهت إليه الغايات والنهايات . وليس له سبحانه غاية ولا نهاية : لا في وجوده ، ولا في مزيد جوده ، إذ هو « الأول » الذي ليس قبله شيء ، و « الآخر » الذي ليس بعده شيء . ولا نهاية لحمده وعطائه . بل كلما ازداد له العبد شكرا زاده فضلا . وكلما ازداد له طاعة زاده لمجده مثوبة . وكلما ازداد منه قربا لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك . وهكذا أبدا لا يقف على غاية ولا نهاية . ولهذا جاء « إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء » فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه ، ولا لمزيده ولا لأوصافه . فتبارك اللّه ذو الجلال والإكرام إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ ( 54 ) [ ص : 54 ] ، « يا عبادي ، لو أن أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد . فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته : ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر » .