ابن قيم الجوزية

48

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وعقولهم . فكل ملك لا تكون له رسل يبثّهم في أقطار مملكته فليس بملك . وبهذه الطريق يعلم وجود ملائكته ، وأن الإيمان بهم من لوازم الإيمان بملكه . فإنهم رسل اللّه في خلقه وأمره . السادس : ثبوت « يوم الدين » وهو يوم الجزاء ، الذي يدين اللّه فيه العباد بأعمالهم خيرا وشرا . وهذا لا يكون إلا بعد ثبوت الرسالة والنبوة ، وقيام الحجة التي بسببها يدان المطيع والعاصي . السابع : كونه معبودا . فإنه لا يعبد إلا بما يحبه ويرضاه . ولا سبيل للخلق إلى معرفة ما يحبه ويرضاه إلا من جهة رسله . فإنكار رسله إنكار لكونه معبودا . الثامن : كونه هاديا إلى الصراط المستقيم . وهو معرفة الحق والعمل به ، وهو أقرب الطرق الموصلة إلى المطلوب . فإن الخط المستقيم : هو أقرب خط موصل بين نقطتين . وذلك لا يعلم إلا من جهة الرسل . فتوقفه على الرسل ضروري ، أعظم من توقف الطريق الحسي على سلامة الحواس . التاسع : كونه منعما على أهل الهداية إلى الصراط المستقيم . فإن إنعامه عليهم إنما تم بإرسال الرسل إليهم ، وجعلهم قابلين الرسالة ، مستجيبين لدعوته . وبذلك ذكّرهم منّته عليهم وإنعامه في كتابه . العاشر : انقسام خلقه إلى منعم عليهم ، ومغضوب عليهم ، وضالين . فإن هذا الانقسام ضروري - بحسب انقسامهم في معرفة الحق ، والعمل به - إلى عالم به ، عامل بموجبه . وهم أهل النعمة . وعالم به معاند له . وهم أهل الغضب . وجاهل به وهم الضالون . هذا الانقسام إنما نشأ بعد إرسال الرسل . فلو لا الرسل لكانوا أمة واحدة . فانقسامهم إلى هذه الأقسام مستحيل بدون الرسالة . وهذا الانقسام ضروري بحسب الواقع . فالرسالة ضرورية . وقد تبين لك بهذه الطريق ، والتي قبلها : بيان تضمنها للرد على من أنكر المعاد الجسماني ، وقيامة الأبدان . وعرفت اقتضاءها ضرورة لثبوت الثواب والعقاب والأمر والنهي . وهو الحق الذي خلقت به وله السماوات والأرض ، والدنيا والآخرة . وهو مقتضى الخلق والأمر ، ونفيه نفي لهما . إذا ثبتت النبوات والرسالة ثبتت صفة التكلم والتكليم فإن حقيقة الرسالة : تبليغ كلام المرسل . فإذا لم يكن ثمّ كلام فماذا يبلّغ الرسول ؟ بل كيف يعقل كونه رسولا ؟ ولهذا قال غير واحد من السلف : من أنكر أن يكون اللّه متكلما ، أو يكون القرآن كلامه : فقد أنكر رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بل ورسالة جميع الرسل ، التي حقيقتها : تبليغ كلام اللّه تبارك وتعالى . ولهذا قال منكرو رسالته صلى اللّه عليه وسلم عن القرآن فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ( 25 ) [ المدّثّر : 24 ، 25 ] وإنما عنوا القرآن المسموع الذي بلّغوه ، وأنذروا به . فمن قال : إن اللّه لم يتكلم به ، فقد ضاهأ قوله قولهم . تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوّا كبيرا .