ابن قيم الجوزية

477

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

له تلك الحال ، وتكون آثر عنده من حاجته . وفرحه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجلت له وفاته ذلك . فهذا لا ينافي رضاه . وقال بعض العارفين : إنه لتكون لي حاجة إلى اللّه . فأسأله إياها . فيفتح عليّ من مناجاته ومعرفته ، والتذلل له ، والتملق بين يديه : ما أحب معه أن يؤخر عني قضاءها . وتدوم لي تلك الحال . وفي أثر : إن العبد ليدعو ربه عزّ وجلّ . فيقول اللّه عزّ وجلّ لملائكته : اقضوا حاجة عبدي وأخروها ، فإني أحب أن أسمع دعاءه ، ويدعوه آخر . فيقول اللّه لملائكته : اقضوا حاجته وعجلوها . فإني أكره صوته . وقد روى الترمذي وغيره عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب أن يسأل وأفضل العبادة انتظار الفرج » . وروي أيضا من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سرّه أن يستجيب اللّه له عند الشدائد . فليكثر من الدعاء في الرخاء » . وروي أيضا من حديث أنس رضي اللّه عنه ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليسأل أحدكم ربه حاجته ، حتى يسأله الملح ، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع » . وفيه أيضا عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما سئل اللّه شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية . وإن الدعاء لينفع مما نزل ومما لم ينزل . فعليكم عباد اللّه بالدعاء » . وإذا كان هذا محبة الرب تعالى للدعاء ، فلا ينافي الإلحاح فيه الرضى . الثالث : أن ينقطع طمعه من الخلق . ويتعلق بربه في طلب حاجته ، وقد أفرده بالطلب . ولا يلوي على ما وراء ذلك . فهذا قد تنشأ له المصلحة من نفس الطلب ، وإفراد الرب بالقصد . والفرق بينه وبين الذي قبله : أن ذلك قد فتح عليه بما هو أحب إليه من حاجته . فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه . وباللّه التوفيق . قال « الدرجة الثالثة : الرضى برضى اللّه . فلا يرى العبد لنفسه سخطا ، ولا رضى . فيبعثه على ترك التحكم ، وحسم الاختيار ، وإسقاط التمييز ، ولو أدخل النار » . إنما كانت هذه الدرجة أعلى مما قبلها من الدرجات عنده : لأنها درجة صاحب الجمع ، الفاني بربه عن نفسه وعما منها ، قد غيبه شاهد رضى اللّه بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو . فيشهد الرضى للّه ومنه حقيقة . ويرى نفسه فانيا ، ذاهبا مفقودا . فهو يستوحش من نفسه ، ومن صفاتها ، ومن رضاها ، ومن سخطها . فهو عامل على التغيب عن وجوده وعما منه . مترام إلى العدم المحض . قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الملك الحق وصفاته وأفعاله . كما يتلاشى ضوء السراج الضعيف في جرم الشمس . فغاب برضى ربه عن رضاه هو وعن ربه في أقضيته وأقداره . وغاب بصفات ربه عن صفاته . وبأفعاله عن أفعاله . فتلاشى وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربه وصفاته ، بحيث صار كالعدم المحض . وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضى ولا سخطا . فيوجب له هذا الفناء : ترك التحكم