ابن قيم الجوزية

467

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والرضى ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرّة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضى بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذّة النظر إلى وجهك الكريم ، وأسألك الشوق إلى لقائك ، في غير ضرّاء مضرة ، ولا فتنة مضلّة ، اللهم زيّنا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين » . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة - قدس اللّه روحه - يقول : سأله الرضى بعد القضاء ، لأنه حينئذ تبين حقيقة الرضى ، وأما الرضى قبله : فإنما هو عزم على أنه يرضى إذا أصابه . وإنما يتحقق الرضى بعده . قال البيهقي : وروينا في دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم إني أسألك الصحة ، والعفّة ، والأمانة ، وحسن الخلق ، والرضى بالقدر » . الخامس والخمسون : أن الرضى بالقدر يخلص العبد من أن يرضي الناس بسخط اللّه . وأن يذمهم على ما لم يؤته اللّه ، وأن يحمدهم على ما هو عين فضل اللّه ، فيكون ظالما لهم في الأول - وهو رضاهم وذمهم - مشركا بهم في الثاني - وهو حمدهم - فإذا رضي بالقضاء تخلص من ذمهم وحمدهم . فخلصه الرضى من ذلك كله . وقد روى عمرو بن قيس الملائي عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن من ضعف اليقين : أن ترضي الناس بسخط اللّه ، وأن تحمدهم على رزق اللّه ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك اللّه ، إن رزق اللّه لا يجرّه حرص حريص ، ولا يرده كره كاره . وإن اللّه - بحكمته - جعل الروح والفرح في الرضى واليقين ، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط » وقد رواه الثوري عن منصور عن خيثمة عن ابن مسعود عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . السادس والخمسون : أن الرضى يفرغ قلب العبد ، ويقلل همه وغمه ، فيتفرغ لعبادة ربه بقلب خفيف من أثقال الدنيا وهمومها وغمومها . كما ذكر ابن أبي الدنيا عن بشر بن بشار المجاشعي - وكان من العلماء - قال : قلت لعابد : أوصني . قال : ألق نفسك مع القدر حيث ألقاك ، فهو أحرى أن يفرّغ قلبك ، ويقلل همك ، وإياك أن تسخط ذلك ، فيحلّ بك السخط وأنت عنه في غفلة لا تشعر به ، فيلقيك مع الذين سخط اللّه عليهم . وقال بعض السلف : ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيب من العيش . فإن التدبير والاختيار يكدر على الناس عيشهم . وقال أبو العباس بن عطاء : الفرح في تدبير اللّه لنا ، والشقاء كله في تدبيرنا . وقال سفيان بن عيينة : من لم يصلح على تقدير اللّه لم يصلح على تقدير نفسه . وقال أبو العباس الطوسي : من ترك التدبير عاش في راحة . وقال بعضهم : لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير كأهل القبور « 1 » .

--> ( 1 ) فلماذا خلقنا اللّه نسمع ونبصر ونعقل . وابتلانا بهذه الحياة وما فيها من العقبات . وحضنا على اقتحامها ؟ وفطرنا على أن نكدح إليه كدحا . فنلاقيه ، ونرجع إليه بما كسبت أيدينا ، من أحد السبيلين : إما شاكرا ، وإما كفورا . وأعطانا من الإرادة والمشيئة والاختيار ما يقوم عليه ميزان الحساب والجزاء في الأولى والأخرى ؟ -