ابن قيم الجوزية
464
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الثامن والأربعون : أن الرضى آخذ بزمام مقامات الدين كلها . وهو روحها وحياتها . فإنه روح التوكل وحقيقته ، وروح اليقين ، وروح المحبة ، وصحة المحب ، ودليل صدق المحبة ، وروح الشكر ودليله . قال الربيع بن أنس : علامة حب اللّه : كثرة ذكره . فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره . وعلامة الدين : الإخلاص للّه في السر والعلانية ، وعلامة الشكر الرضى بقدر اللّه والتسليم لقضائه . وقال أحمد بن أبي الحواري : ذاكرت أبا سليمان في الخبر المروي : « أول من يدعى إلى الجنة الحمّادون » فقال : ويحك ، ليس هو أن تحمده على المصيبة وقلبك يتعصّى عليك . إذا كنت كذلك فارجع إلى الصابرين ، إنما الحمد : أن تحمده وقلبك مسلّم راض . فصار الرضى كالروح لهذه المقامات ، والأساس الذي تنبني عليه . ولا يصح شيء منها بدونه البتة ، واللّه أعلم . التاسع والأربعون : أن الرضى يقوم مقام كثير من التعبدات التي تشق على البدن . فيكون رضاه أسهل عليه ، وألذ له ، وأرفع في درجته ، وقد ذكر في أثر إسرائيلي : أن عابدا عبد اللّه دهرا طويلا ، فأري في المنام : أن فلانة الراعية رفيقتك في الجنة ، فسأل عنها ، إلى أن وجدها . فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة . ويظل صائما وتظل مفطرة ، فقال لها : أما لك عمل غير ما رأيت ؟ قالت : ما هو واللّه غير ما رأيت - أو قالت : إلا ما رأيت - لا أعرف غيره ، فلم يزل يقول لها : تذكري . حتى قالت : خصيلة واحدة هي فيّ . وذلك أني إن كنت في شدة لم أتمنّ أني في رخاء . وإن كنت في مرض لم أتمنّ أني في صحة . وإن كنت في الشمس لم أتمن أني في الظلّ ، قال : فوضع العابد يده على رأسه . وقال : أهذه خصيلة ؟ هذه واللّه خصلة عظيمة يعجز عنها العبّاد . وقد روى ابن مسعود رضي اللّه عنه : « من رضي بما أنزل من السماء إلى الأرض غفر له » . وفي أثر مرفوع : « من خير ما أعطي العبد : الرضى بما قسم اللّه له » . وفي أثر آخر : « إذا أحب اللّه عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه » . وفي أثر : إن بني إسرائيل « سألوا موسى أن يسأل ربه أمرا إذا هم فعلوه رضي عنهم . فقال موسى : رب ، إنك تسمع ما يقولون ، فقال : قل لهم يرضون عني حتى أرضى عنهم » . وفي أثر آخر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « من أحبّ أن يعلم ما له عند اللّه . فلينظر ما للّه عنده ، فإن اللّه ينزل العبد منه حيث ينزله العبد من نفسه » . وفي أثر آخر : « من رضي من اللّه بالقليل من الرزق ، رضي اللّه منه بالقليل من العمل » . وقال بعض العارفين : أعرف في الموتى عالما ينظرون إلى منازلهم في الجنان في قبورهم ، يغدى عليهم ويراح برزقهم من الجنة بكرة وعشيا . وهم في غموم وكروب في البرزخ . لو قسمت على أهل بلد لماتوا أجمعين . قيل : وما كانت أعمالهم ؟ قال : كانوا مسلمين مؤمنين ، إلا أنهم لم يكن لهم من التوكل ولا من الرضى نصيب .