ابن قيم الجوزية
454
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
رضيها له . وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة ، بحيث يكون وقوعها منه مستلزما لمفسدة راجحة ، ومفوتا لمصلحة راجحة . وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله : * وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 47 ) [ التّوبة : 46 ، 47 ] فأخبر سبحانه : أنه كره انبعاثهم مع رسوله صلى اللّه عليه وسلم للغزو . وهو طاعة وقربة ، وقد أمرهم به . فلما كرهه منهم ثبّطهم عنه . ثم ذكر سبحانه بعض المفاسد التي كانت ستترتب على خروجهم لو خرجوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقال : « لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا » أي فسادا وشرا « ولأوضعوا خلالكم » أي سعوا فيما بينكم بالفساد والشر « يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم » أي قابلون منهم مستجيبون لهم . فيتولّد من بين سعي هؤلاء بالفساد وقبول أولئك منهم من الشر ما هو أعظم من مصلحة خروجهم . فاقتضت الحكمة والرحمة : أن منعهم من الخروج ، وأقعدهم عنه . فاجعل هذا المثال أصلا لهذا الباب . وقس عليه . فإن قلت : قد يتصور لي هذا في رضى الرب تعالى لبعض ما يخلقه من وجه وكراهته من وجه آخر . فكيف لي بأن يجتمع الأمران في حقي بالنسبة إلى المعاصي والفسوق ؟ قلت : هو متصوّر ممكن ، بل واقع . فإن العبد يسخط ذلك ويبغضه ، ويكرهه من حيث هو فعل له ، بسببه وواقع بكسبه وإرادته ، واختياره . ويرضى بعلم اللّه وكتابته ومشيئته ، وإذنه الكوني فيه . فيرضى بما من اللّه ، ويسخط ما هو منه ، فهذا مسلك طائفة من أهل العرفان . وطائفة أخرى رأوا كراهة ذلك مطلقا ، وعدم الرضى به من كل وجه . وهؤلاء في الحقيقة لا يخالفون أولئك . فإن العبد إذا كرهها مطلقا ، فإن الكراهة إنما تقع على الاعتبار المكروه منها . وهؤلاء لم يكرهوا علم الرب وكتابته ومشيئته ، وإلزامه حكمه الكوني . وأولئك لم يرضوا بها من الوجه الذي سخطها الرب وأبغضها لأجله . وسر المسألة : أن الذي إلى الرب منها غير مكروه . والذي إلى العبد منها هو المكروه والمسخوط . فإن قلت : ليس إلى العبد شيء منها ؟ . قلت : هذا هو الجبر الباطل ، الذي لا يمكن صاحبه التخلص من هذا المقام الضيق . والقدريّ أقرب إلى التخلص منه من الجبري . وأهل السنة المتوسطون بين القدرية والجبرية : هم أسعد بالتخلص منه من الفريقين . فإن قلت : كيف يتأتى الندم والتوبة ، مع شهود الحكمة في التقدير ، ومع شهود القيومية والمشيئة النافذة ؟ قلت : هذا الذي أوقع من عميت بصيرته في شهود الأمر على خلاف ما هو عليه . فرأى تلك الأفعال طاعات ، لموافقته فيها المشيئة والقدر . وقال : إن عصيت أمره . فقد أطعت إرادته في ذلك . وقيل : أصبحت منفعلا لما تختاره * مني ففعلي كله طاعات