ابن قيم الجوزية

45

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

في تضمنها الرد على الجهمية معطلة الصفات وذلك من وجوه : أحدها : من قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ [ الفاتحة : 2 ] فإن إثبات الحمد الكامل له يقتضي ثبوت كل ما يحمد عليه ، من صفات كماله ، ونعوت جلاله . إذ من عدم صفات الكمال فليس بمحمود على الإطلاق . وغايته : أنه محمود من وجه دون وجه . ولا يكون محمودا بكل وجه ، وبكل اعتبار ، بجميع أنواع الحمد : إلا من استولى على صفات الكمال جميعها . فلو عدم منها صفة واحدة لنقص من حمده بحسبها . وكذلك في إثبات صفة الرحمة له : ما يتضمن إثبات الصفات التي تستلزمها : من الحياة ، والإرادة والقدرة ، والسمع والبصر ، وغيرها . وكذلك صفة الربوبية : تستلزم جميع صفات الفعل وصفة الإلهية تستلزم جميع أوصاف الكمال : ذاتا وأفعالا ، كما تقدم بيانه . فكونه محمودا إلها ربا ، رحمانا رحيما ، ملكا معبودا ، مستعانا ، هاديا منعما ، يرضى ويغضب - مع نفي قيام الصفات به : جمع بين النقيضين . وهو من أمحل المحال . وهذه الطريق تتضمن إثبات الصفات الخبرية من وجهين : أحدهما : أنها من لوازم كماله المطلق . فإن استواءه على عرشه من لوازم علوه ، ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا في نصف الليل الثاني : من لوازم رحمته وربوبيته . وهكذا سائر الصفات الخبرية . الوجه الثاني : أن السمع ورد بها ، ثناء على اللّه ومدحا له ، وتعرفا منه إلى عباده بها . فجحدها وتحريفها عما دلت عليه ، وعما أريد بها : مناقض لما جاءت به . فلك أن تستدل بطريق السمع على أنها كمال ، وأن تستدل بالعقل كما تقدم . في تضمنها للرد على الجبرية وذلك من وجوه : أحدها : من إثبات عموم حمده سبحانه . فإنه يقتضي أن لا يعاقب عبيده على ما لا قدرة لهم عليه ، ولا هو من فعلهم . بل هو بمنزلة ألوانهم ، وطولهم وقصرهم ، بل هو يعاقبهم على نفس فعله بهم . فهو الفاعل لقبائحهم في الحقيقة . وهو المعاقب لهم عليها . فحمده عليها يأبى ذلك أشد الإباء ، وينفيه أعظم النفي . فتعالى من له الحمد كله عن ذلك علوّا كبيرا ، بل إنما يعاقبهم على نفس أفعالهم التي فعلوها حقيقة . فهي أفعالهم لا أفعاله . وإنما أفعاله العدل ، والإحسان والخيرات . الوجه الثاني : إثبات رحمته ورحمانيته ينفي ذلك إذ لا يمكن اجتماع هذين الأمرين قط - أن يكون رحمانا رحيما - ويعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه ، ولا هو من فعله ، بل يكلفه ما لا يطيقه ، ولا له عليه قدرة البتة ، ثم يعاقبه عليه . وهل هذا إلا ضد الرحمة . ونقض لها وإبطال ؟ وهل يصح في معقول أحد اجتماع ذلك ، والرحمة التامة الكاملة ، في ذات واحدة ؟ .