ابن قيم الجوزية
447
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
نهانا عنه أن نرضى به . ولا نتقدم بين يدي اللّه تعالى ، ولا نعترض على حكمه . وقالت طائفة أخرى : يطلق الرضى بالقضاء في الجملة ، دون تفاصيل المقضي المقدر . فنقول : نرضى بقضاء اللّه جملة ولا نسخطه . ولا نطلق الرضى على كل واحد من تفاصيل المقضي . كما يقول المسلمون : كل شيء يبيد ويهلك . ولا يقولون : حجج اللّه تبيد وتهلك . ويقولون : اللّه رب كل شيء . ولا يضيفون ربوبيته إلى الأعيان المستخبثة المستقذرة بخصوصها . وقالت طائفة أخرى : نرضى بها من جهة إضافتها إلى الرب خلقا ومشيئة ، ونسخطها من جهة إضافتها إلى العبد كسبا له وقياما به . وقالت طائفة أخرى : بل نرضى بالقضاء ونسخط المقضي . فالرضى والسخط لم يتعلقا بشيء واحد . وهذه الأجوبة لا يتمشى شيء منها على أصول من يجعل محبة الرب تعالى ورضاه ومشيئته واحدة ، كما هو أحد قولي الأشعري ، وأكثر أتباعه . فإن هؤلاء يقولون : إن كل ما شاءه وقضاه فقد أحبه ورضيه ، وإذا كان الكون محبوبا له مرضيا ، فنحن نحب ما أحبه ، ونرضى ما رضيه . وقولكم : إن الرضى بالقضاء يطلق جملة ولا يطلق تفصيلا . فذلك لا يمنع دخوله في جملة المرضي به . فيعود الإشكال . وقولكم : نرضى بها من جهة كونها خلقا للّه ، ونسخطها من جهة كونها كسبا للعبد : فكسب العبد إن كان أمرا وجوديا فهو خلق للّه فنرضى به ، وإن كان أمرا عدميا فلا حقيقة له ترضي ولا تسخط . وأما قولكم : نرضى بالقضاء دون المقضي : فهذا إنما يصح على قول من يجعل القضاء غير المقضي ، والفعل غير المفعول . وأما من لم يفرق بينهما : فكيف يصح هذا على أصله ؟ . وقد أورد القاضي أبو بكر الباقلاني على نفسه هذا السؤال ، فقال : فإن قيل : القضاء عندكم هو المقضي ، أو غيره ؟ . قيل : هو على ضربين . فالقضاء - بمعنى الخلق - هو المقضي . لأن الخلق هو المخلوق . والقضاء - الذي هو الإلزام والإعلام والكتابة - : غير المقضي . لأن الأمر غير المأمور . والخبر غير المخبر عنه . وهذا الجواب لا يخلصه أيضا . لأن الكلام ليس في الإلزام والإعلام والكتابة . وإنما الكلام في نفس الفعل المقدور ، المعلم به المكتوب : هل مقدره وكاتبه سبحانه راض به أم لا ؟ وهل العبد مأمور بالرضى به نفسه أم لا ؟ هذا هو حرف المسألة . وقد أنكر اللّه سبحانه وتعالى على من جعل مشيئته وقضاءه مستلزمين لمحبته ورضاه . فكيف بمن جعل ذلك شيئا واحدا ؟ قال اللّه تعالى : سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ( 148 ) [ الأنعام : 148 ] وقال تعالى : وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ