ابن قيم الجوزية

443

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وإنما كان من أول مسالك أهل الخصوص لأنه مقدمة للخروج عن النفس ، والذي هو طريق أهل الخصوص ، فمقدمته بداية سلوكهم . لأنه يتضمن خروج العبد عن حظوظه ، ووقوفه مع مراد اللّه عزّ وجلّ . لا مع مراد نفسه . هذا تقرير كلامه . وفي جعله هذه الدرجة أعلى من التي قبلها نظر لا يخفى . وهو نظير جعله الصبر باللّه أعلى من الصبر للّه . والذي ينبغي : أن تكون الدرجة الأولى أعلى شأنا وأرفع قدرا . فإنها مختصة وهذه الدرجة مشتركة . فإن الرضى بالقضاء يصح من المؤمن والكافر . وغايته التسليم لقضاء اللّه وقدره . فأين هذا من الرضى به ربا وإلها ومعبودا ؟ وأيضا فالرضى به ربّا فرض . بل هو من آكد الفروض باتفاق الأمة . فمن لم يرض به ربا ، لم يصح له إسلام ولا عمل ولا حال . وأما الرضى بقضائه : فأكثر الناس على أنه مستحب . وليس بواجب . وقيل : بل هو واجب ، وهما قولان في مذهب أحمد . فالفرق بين الدرجتين فرق ما بين الفرض والندب . وفي الحديث الإلهي الصحيح : « يقول اللّه عزّ وجلّ : ما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه » . فدل على أن التقرب إليه سبحانه بأداء فرائضه أفضل وأعلى من التقرب إليه بالنوافل . وأيضا : فإن الرضى به ربا يتضمن الرضى عنه ، ويستلزمه . فإن الرضى بربوبيته : هو رضى العبد بما يأمره به ، وينهاه عنه ، ويقسمه له ويقدّره عليه ، ويعطيه إياه ، ويمنعه منه . فمتى لم يرض بذلك كله لم يكن قد رضي به ربا من جميع الوجوه . وإن كان راضيا به ربا من بعضها . فالرضى به ربا من كل وجه : يستلزم الرضى عنه ، ويتضمنه بلا ريب . وأيضا : فالرضى به ربا متعلق بذاته ، وصفاته وأسمائه ، وربوبيته العامة والخاصة . فهو الرضى به خالقا ومدبرا ، وآمرا وناهيا ، وملكا ومعطيا ومانعا ، وحكما ، ووكيلا ووليا ، وناصرا ومعينا ، وكافيا وحسيبا ورقيبا ، ومبتليا ومعافيا ، وقابضا وباسطا ، إلى غير ذلك من صفات ربوبيته . وأما الرضى عنه : فهو رضى العبد بما يفعله به ، ويعطيه إياه ، ولهذا لم يجئ إلا في الثواب والجزاء . كقوله تعالى : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ( 28 ) [ الفجر : 27 ، 28 ] فهذا برضاها عنه لما حصل لها من كرامته . كقوله تعالى : خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [ البيّنة : 8 ] . والرضى به : أصل الرضى عنه ، والرضى عنه : ثمرة الرضى به . وسر المسألة : أن الرضى به متعلق بأسمائه وصفاته . والرضى عنه : متعلق بثوابه وجزائه . وأيضا : فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم علق ذوق طعم الإيمان بمن رضي باللّه ربا . ولم يعلقه بمن رضي عنه ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « ذاق طعم الإيمان من رضي باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا » فجعل الرضى به قرين الرضى بدينه ونبيه . وهذه الثلاثة هي أصول الإسلام ، التي لا يقوم إلا بها وعليها .