ابن قيم الجوزية

441

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

الحالة التي أقامه اللّه فيها . وهذا لتصحيح رضاه باختيار اللّه له ، والفناء به عن اختياره لنفسه . وكذلك قوله : « لا يستزيد مزيدا ، ولا يستبدل حالا » . وهذا المعنى الذي ذكره الشيخ فرد من أفراد الرضى ، وهو الرضى بالأقسام والأحكام الكونية التي لم يؤمر بمدافعتها « 1 » . وقوله : « وهو من أوائل مسالك أهل الخصوص » يعني أن سلوك أهل الخصوص : هو بالخروج عن النفس ، والخروج عن الإرادة : هو مبدأ الخروج عن النفس . فإذا الرضى - بهذا الاعتبار - من أوائل مسالك الخاصة . وهذا على أصله في كون الفناء غاية مطلوبة فوق الرضى . والصواب : أن « الرضى » أجل منه وأعلى . وهو غاية لا بداية . نعم فوقه مقام « الشكر » فهو منزلة بينه وبين منزلة الصبر . وقوله : « وأشقها على العامة » وذلك لمشقة الخروج عن الحظوظ على العامة ، و « الرضى » أول ما فيه : الخروج عن الحظوظ . واللّه سبحانه وتعالى أعلم . درجات الرضى قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : رضى العامة . وهو الرضى باللّه ربا ، وتسخط عبادة ما دونه . وهذا قطب رحى الإسلام . وهو يطهر من الشرك الأكبر » . الرضى باللّه ربا : أن لا يتخذ ربّا غير اللّه تعالى يسكن إلى تدبيره وينزل به حوائجه ، قال اللّه تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 164 ] قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « سيدا وإلها » يعني فكيف أطلب ربا غيره ، وهو رب كل شيء ؟ وقال في أول السورة قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 14 ] يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ . وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة . وقال في وسطها : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا [ الأنعام : 114 ] أي أفغير اللّه أبتغي من يحكم بيني وبينكم ، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه ؟ وهذا كتابه سيد الحكام ، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه ؟ وقد أنزله مفصّلا ، مبينا كافيا شافيا . وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل ، رأيتها هي نفس الرضى باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم رسولا . ورأيت الحديث يترجم عنها ، ومشتق منها . فكثير من الناس يرضى باللّه ربا ، ولا يبغي ربا سواه ، لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصرا . بل يوالي من دونه أولياء . ظنا منه أنهم يقربونه إلى اللّه ، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك . وهذا عين الشرك . بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء . والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء . وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله ، وعباده المؤمنين به . فإن هذا من تمام الإيمان ومن تمام

--> ( 1 ) كيف لا يدفع المرض بالدواء ، والجوع بالطعام ، والظمأ بالماء ؟ إذن تتعطل سنن اللّه - بل وشرائعه - في كل شؤون الحياة . ويكون الخمول الذي تدعو إليه الصوفية ، ويحاربه المرسلون . وهل يرضى اللّه هذا ؟ سبحانه .