ابن قيم الجوزية

437

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والخسران . وما الذي يخفّ أو يرجح به الميزان . واللّه المستعان ، وعليه التكلان . والتحقيق في المسألة : أن « الرضى » كسبي باعتبار سببه ، موهبي باعتبار حقيقته . فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه . فإذا تمكن في أسبابه وغرس شجرته : اجتنى منها ثمرة الرضى . فإن الرضى آخر التوكل . فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم والتفويض : حصل له الرضى ولا بد . ولكن لعزته وعدم إجابة أكثر النفوس له ، وصعوبته عليها - لم يوجبه اللّه على خلقه « 1 » ، رحمة بهم ، وتخفيفا عنهم . لكن ندبهم إليه . وأثنى على أهله ، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم ، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها . فمن رضي عن ربه رضي اللّه عنه . بل رضي العبد عن اللّه من نتائج رضى اللّه عنه . فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده : رضى قبله ، أوجب له أن يرضى عنه ، ورضى بعده . وهو ثمرة رضاه عنه . ولذلك كان الرضى باب اللّه الأعظم ، وجنة الدنيا ، ومستراح العارفين ، وحياة المحبين ، ونعيم العابدين ، وقرة عيون المشتاقين . ومن أعظم أسباب حصول الرضى : أن يلزم ما جعل اللّه رضاه فيه . فإنه يوصله إلى مقام الرضى ولا بد . قيل ليحيى بن معاذ : متى يبلغ العبد إلى مقام الرضى ؟ فقال : إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه ، فيقول : إن أعطيتني قبلت . وإن منعتني رضيت . وإن تركتني عبدت . وإن دعوتني أجبت . وقال الجنيد : الرضى هو صحة العلم الواصل إلى القلب . فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدّاه إلى الرضى . وليس « الرضى والمحبة » كالرجاء والخوف . فإن الرضى والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة . لا يفارقان المتلبس بهما في الدنيا ، ولا في البرزخ ، ولا في الآخرة ، بخلاف الخوف والرجاء . فإنهما يفارقان أهل الجنة بحصول ما كانوا يرجونه ، وأمنهم مما كانوا يخافونه . وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كرامته دائما ، لكنه ليس رجاء مشوبا بشك . بل هو رجاء واثق بوعد صادق ، من حبيب قادر . فهذا لون ورجاؤهم في الدنيا لون . وقال ابن عطاء : الرضى سكون القلب إلى قديم اختيار اللّه للعبد أنه اختار له الأفضل . فيرضى به . قلت : وهذا رضى بما منه . وأما الرضى به : فأعلى من هذا وأفضل . ففرق بين من هو راض بمحبوبه ، وبين من هو راض بما يناله من محبوبه من حظوظ نفسه . واللّه أعلم . شرط الرضا ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه وليس من شرط « الرضى » ألّا يحس بالألم والمكاره ، بل ألّا يعترض على الحكم ولا يتسخّطه . ولهذا أشكل على بعض الناس الرضى بالمكروه ، وطعنوا فيه . وقالوا : هذا ممتنع على

--> ( 1 ) وهل فرض اللّه وأوجب عليهم الطعام والماء والهواء وأسباب الحياة الضرورية . فكذلك الرضى باللّه ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم نبيا ورسولا : هو ألزم للعبد من الماء والطعام ، بل من الهوى وكل أسباب العيش البهيمي .