ابن قيم الجوزية
43
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الرد على المجوس والقدرية والمقرّون بالربّ سبحانه وتعالى : أنه صانع العالم نوعان « 1 » : نوع ينفي مباينته لخلقه ، ويقولون : لا مباين ولا محايث ، ولا داخل العالم ولا خارجه ، ولا فوقه ولا تحته ، ولا عن يمينه ولا عن يساره ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا فيه ولا بائن عنه . فتضمنت الفاتحة الرد على هؤلاء من وجهين « 2 » : أحدهما : إثبات ربوبيته تعالى للعالم . فإن الربوبية المحضة تقتضي مباينة الرب للعالم بالذات ، كما باينهم بالربوبية ، وبالصفات والأفعال فمن لم يثبت ربّا مباينا للعالم ، فما أثبت ربا . فإنه إذا نفى المباينة لزمه أحد أمرين ، لزوما لا انفكاك له عنه البتة : إما أن يكون هو نفس هذا العالم . وحينئذ يصح قوله . فإن العالم لا يباين ذاته ونفسه . ومن ههنا دخل أهل الوحدة ، وكانوا معطلة أولا ، واتحادية ثانيا . وإما أن يقول : ما ثم رب يكون مباينا ولا محايثا ، ولا داخلا ولا خارجا ، كما قالته الدهرية المعطلة للصانع . وأما هذا القول الثالث المشتمل على جمع النقيضين : إثبات رب مغاير للعالم مع نفي مباينته للعالم ، وإثبات خالق قائم بنفسه ، لا في العالم ولا خارج العالم ، ولا فوق العالم ولا تحته ، ولا خلفه ولا أمامه ، ولا يمنته ولا يسرته : فقول له خبيء . والعقول لا تتصوره حتى تصدق به . فإذا استحال في العقل تصوره . فاستحالة التصديق به أظهر وأظهر . وهو منطبق على العدم المحض ، والنفي الصّرف . وصدقه عليه أظهر عند العقول والفطر من صدقه على رب العالمين . فضع هذا النفي وهذه الألفاظ الدالة عليه على العدم المستحيل . ثم ضعها على الذات العلية القائمة بنفسها ، التي لم تحلّ في العالم ، ولا حلّ العالم فيها ، ثم انظر أي المعلومين أولى به ؟ واستيقظ لنفسك ، وقم للّه قومة مفكر في نفسه في الخلوة في هذا الأمر ، متجرد عن المقالات وأربابها ، وعن الهوى والحمية والعصبية ، صادقا في طلب الهداية من اللّه . فاللّه أكرم من أن يخيب عبدا هذا شأنه . وهذه المسألة لا تحتاج إلى أكثر من إثبات رب قائم بنفسه ، مباين لخلقه . بل هذا نفس ترجمتها . الرد على الجهمية ثم المثبتون للخالق تعالى نوعان : أهل توحيد ، وأهل إشراك . وأهل الإشراك نوعان : أحدهما : أهل الإشراك به في ربوبيته وإلهيته ، كالمجوس ومن ضاهاهم من القدرية . فإنهم
--> ( 1 ) ليس في كلام النوع الثاني . ( 2 ) لم يذكر إلا وجها واحدا .