ابن قيم الجوزية
41
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
المحل للقطع . وهذه إشارة مطلعة على ما وراءها لمن دق نظره ، وحسن تأمله . واللّه أعلم . وأما شهادة التجارب بذلك : فهي أكثر من أن تذكر . وذلك في كل زمان . وقد جربت أنا من ذلك في نفسي وفي غيري أمورا عجيبة . ولا سيما مدة المقام بمكة . فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة ، بحيث تكاد تقطع الحركة مني . وذلك في أثناء الطواف وغيره . فأبادر إلى قراءة الفاتحة ، وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط . جربت ذلك مرارا عديدة . وكنت آخذ قدحا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارا ، فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء والأمر أعظم من ذلك . ولكن بحسب قوة الإيمان ، وصحة اليقين « 1 » . واللّه المستعان . في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل ، والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة وهذا يعلم بطريقين ، مجمل ومفصل : أما المجمل : فهو أن الصراط المستقيم متضمن معرفة الحق ، وإيثاره ، وتقديمه على غيره ، ومحبته والانقياد له ، والدعوة إليه ، وجهاد أعدائه بحسب الإمكان . والحق : هو ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وما جاء به علما وعملا في باب صفات الرب سبحانه ، وأسمائه وتوحيده ، وأمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، وفي حقائق الإيمان ، التي هي منازل السائرين إلى اللّه تعالى . وكل ذلك مسلّم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، دون آراء الرجال وأوضاعهم وأفكارهم واصطلاحاتهم . فكل علم أو عمل أو حقيقة ، أو حال أو مقام خرج من مشكاة نبوته ، وعليه السكة المحمدية ، بحيث يكون من ضرب المدينة . فهو من الصراط المستقيم ، وما لم يكن كذلك فهو من صراط أهل الغضب والضلال . فما ثمّ خروج عن هذه الطرق الثلاث : طريق الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما جاء به ، وطريق أهل الغضب ، وهي طريق من عرف الحق وعانده . وطريق أهل الضلال : وهي طريق من أضله اللّه عنه . ولهذا قال عبد اللّه بن عباس وجابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهم : « الصراط المستقيم : هو الإسلام » وقال عبد اللّه بن مسعود وعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما : « هو القرآن » وفي حديث مرفوع في « الترمذي » وغيره ، وقال سهل بن عبد اللّه : « طريق السنة والجماعة » وقال بكر بن عبد اللّه المزني : « طريق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » . ولا ريب أن ما كان عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه علما وعملا وهو معرفة الحق وتقديمه ، وإيثاره على غيره . فهو الصراط المستقيم . وكل هذه الأقوال المتقدمة دالة عليه جامعة له . فبهذا الطريق المجمل يعلم أن كل ما خالفه فباطل . وهو من صراط الأمتين : الأمة الغضبية ، وأمة أهل الضلال .
--> ( 1 ) هل ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو عن خلفائه الراشدين ، فعل شيء من ذلك ؟ وقد جاعوا يوم الخندق ، حتى ربط رسول اللّه الحجر على بطنه ، ومرت به صعاب أشد من ذلك .