ابن قيم الجوزية

398

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وأما « رفض الدعوى لا علما » ف « الدعوى » نسبة الحال وغيره إلى نفسك وإنّيّتك . فالاستقامة لا تصح إلا بتركها ، سواء كانت حقا أو باطلا ، فإن الدعوى الصادقة تطفئ نور المعرفة . فكيف بالكاذبة ؟ وأما قوله : « لا علما » أي لا يكون الحامل له على ترك الدعوى مجرد علمه بفساد الدعوى ، ومنافاتها للاستقامة . فإذا تركها يكون تركها لكون العلم قد نهى عنها . فيكون تاركا لها ظاهرا لا حقيقة ، أو تاركا لها لفظا ، قائما بها حالا . لأنه يرى أنه قد قام بحق العلم في تركها . فيتركها تواضعا . بل يتركها حالا وحقيقة . كما يترك من أحبّ شيئا تضره محبته حبّه حالا وحقيقة . وإذا تحقق أنه ليس له من الأمر شيء - كما قال اللّه عزّ وجلّ لخير خلقه على الإطلاق : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [ آل عمران : 128 ] - ترك الدعوى شهودا وحقيقة وحالا . وأما « البقاء مع نور اليقظة » فهو الدوام في اليقظة ، وأن لا يطفئ نورها بظلمة الغفلة . بل يستديم يقظته . ويرى أنه في ذلك كالمجذوب المأخوذ عن نفسه ، حفظا من اللّه له . لا أن ذلك حصل بتحفظه واحترازه . فهذه ثلاثة أمور : يقظة ، واستدامة لها ، وشهود أن ذلك بالحق سبحانه لا بك . فليس سبب بقائه في نور اليقظة بحفظه . بل بحفظ اللّه له . وكأنّ الشيخ يشير إلى أن الاستقامة في هذه الدرجة لا تحصل بكسب . وإنما هو مجرد موهبة من اللّه . فإنه قال في الأولى « الاستقامة على الاجتهاد » وفي الثانية « استقامة الأحوال ، لا كسبا ولا تحفظا » . ومنازعته في ذلك متوجهة . وأن ذلك مما يمكن تحصيله كسبا بتعاطي الأسباب التي تهجم بصاحبها على هذا المقام . نعم الذي ينفى في هذا المقام : شهود الكسب ، وأن هذا حصل له بكسبه فنفي الكسب شيء ونفي شهوده شيء آخر . ولعل أن نشبع الكلام في هذا فيما يأتي إن شاء اللّه تعالى . قال : « الدرجة الثالثة : استقامة بترك رؤية الاستقامة . وبالغيبة عن تطلب الاستقامة بشهود إقامة . وتقويمه الحق » . هذه الاستقامة معناها : الذهول بمشهوده عن شهوده . فيغيب بالمشهود المقصود سبحانه عن رؤية استقامته في طلبه . فإن رؤية الاستقامة تحجبه عن حقيقة الشهود . وأما « الغيبة عن تطلب الاستقامة » فهو غيبته عن طلبها بشهود إقامة الحق للعبد ، وتقويمه إياه . فإنه إذا شهد أن اللّه هو المقيم له والمقوم ، وأن استقامته وقيامه باللّه ، لا بنفسه ولا بطلبه : غاب بهذا الشهود عن استشعار طلبه لها . وهذا القدر من موجبات شهود معنى اسمه « القيوم » وهو الذي قام بنفسه . فلم يحتج إلى أحد . وقام كل شيء به . فكل ما سواه محتاج إليه بالذات . وليست حاجته إليه معللة بحدوث كما يقول المتكلمون . ولا بإمكان ، كما يقول الفلاسفة المشّاؤون . بل حاجته إليه ذاتية ، وما بالذات لا يعلل .